“وليام جيمس سيديس” الطفل المعجزة The child prodigy الذي لفت أنظار العالم بذكائه الاستثنائي وإنجازاته المبكرة في أوائل القرن العشرين. أكسبته قدراته المذهلة في مختلف مجالات الدراسة، بما في ذلك الرياضيات واللغة والتاريخ، سمعة كونه أحد أذكى الأشخاص الذين عرفهم التاريخ.
لكن شخصية سيديس لم تقتصر على ذكائه الخارق فحسب، بل إن نظرياته حول الكون وطبيعة الحياة والعلاقة بين العقل والمادة قد تحدت الفكر التقليدي في عصره. ولا تزال تثير فضول القراء وتأسرهم حتى اليوم.
من هو ويليام جيمس سيديس؟
ولد جيمس سيديس في الأول من أبريل عام 1898، في مدينة نيويورك. والده هو “بوريس سيديس”، وهو طبيب وأستاذ في علم نفس بجامعة هارفارد وحاصل على 4 درجات علمية وقد كان يؤمن بنظرية أن التعليم في المدارس والمناهج المتبعة تقلل من قدارت الأطفال. وأمه “سارة ماندلبوم سيديس” الحاصلة على الدكتوراه في الطب.

اتضح منذ صغره أن سيديس كان موهوبًا بشكل استثنائي. فقد تعلم الحروف الأبجدية في عمر 6 أشهر. وحين بلغ عمره سنة ونصف أصبح يقرأ صحيفة نيويورك تايمز وتعلم اللاتينية واليونانية في السادسة إلى السابعة من عمره بطلاقة وأتقن الفرنسية والألمانية والروسية والتركية والأرمنية.
كما ابتكر سيديس “جداول لوغاريتمية” مبنية على نظام أرقام مختلف (قاعدة اثني عشر) بدلًا من النظام العشري التقليدي.واشتهر بسرعته المذهلة على الحساب الذهني المعقد، بما في ذلك تحديد يوم الأسبوع لأي تاريخ ميلاد يطرح عليه فورًا.
عندما لاحظ أبوه عبقريته حاول تسجيله بجامعة هارفارد وهو في سن التاسعة. وبالرغم من اجتيازه جميع الاختبارات المطلوبة للالتحاق بالجامعة، فقد رفضت قبوله لصغر سنه. إلا أنه لم ييأس وتابع المحاولة إلى أن نجح في إلحاق ابنه بالجامعة عام 1909، وهو في سن الحادية عشرة ليصبح أصغر شخص يتم قبوله في جامعة هارفارد.
بعد سنة واحدة من الدراسة بالجامعة وصلت معرفة وليام بالرياضيات أقصى درجاته. حتى شرع في إلقاء المحاضرات على زملائه في الجامعة وعلى أساتذته أيضًا. إذ في الثانية عشرة من عمره، ألقى محاضرة أمام نادي الرياضيات بالجامعة، ناقش فيها الهندسة رباعية الأبعاد أمام أعضاء هيئة التدريس والطلاب.
بين نبوغ العقل وانكسار النفس
وما أكسبه لقب “المعجزة” هو تحصله على درجة البكالوريوس في سن السادسة عشرة ليعمل مدرسًا بالجامعة كأصغر من درس بجامعة هارفارد. بعد ذلك انتقل سيديس إلى معهد البوليتكنيك في بروكلين، حيث درس الهندسة وأصبح مهتمًا بالسياسة والتاريخ والفلسفة.

للأسف، لا يعني هذا أنه حظي بطفولة سعيدة، فمنذ نعومة أظفاره، تصدر عناوين الصحف بفضل ذكائه الخارق. وكان والداه متسلطين وحازمين، وعازمين على ألا يضيع ذكاء ابنهما الفذ سدى.
مزيج من نشأته تحت الأضواء التي لم ترحم خصوصيته وجعلت تفاصيل حياته افتتاحية الصفحات الأولى للجرائد اليومية. وضغط الإعلام ووالديه المستمر عليه، وتنمر أقرانه، كل ذلك حرمه من عيش طفولته وأصيب بانهيار عصبي.
اشتهر وليام بكتابة 4 مؤلفات في الرياضيات وطور نظريات عدة في علم “اللوغاريتمات” وقدم مقالات عديدة في علم التشريح وعلم النفس واللغويات. ما جعله يتصدر عناوين الأخبار وعلى رأسها “نيويورك تايمز”.
وفي عمر 24 عامًا أتقن التحدث بأكثر من 40 لغة. بل وابتكر لغة جديدة خاصة به أطلق عليها اسم فيندرجود Vendergood.
على الرغم من إنجازاته المبكرة، كانت حدة عبقريته عبئًا عليه وأثقلت كاهله وواجه صعوبة في التأقلم مع الحياة خارج الأوساط الأكاديمية، وعانى من ضعف في المهارات الاجتماعية. كما كان محط أنظار وسائل الإعلام وسخرية منها، ما ساهم في انسحابه نهاية المطاف من الحياة العامة.
لماذا يعتبر أذكى رجل على الإطلاق؟
هذا ليس لقبًا رسميًا. فالذكاء يصعب قياسه، وقد تنافس العديد من الأشخاص على مر السنين على لقب “أذكى شخص على الإطلاق”. ومع ذلك، من الواضح أن سيديس كان في ذروة الذكاء البشري.
رغم أن معدل ذكائه لم يقاس رسميًا (إذ إن مثل هذه الاختبارات غالبًا ما تكون غير دقيقة). فقد قدر معدل ذكائه بما يتراوح بين 250 و300 (أي أعلى من معدل ذكاء أينشتاين بمقدار 50 إلى 100 نقطة ). وهذا ما كان سيجعله أحد أذكى الأشخاص على مر التاريخ.

ولعل الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو أنه بينما يتفوق معظم الأطفال العباقرة في مجال واحد فقط، كان سيديس موسوعة حقيقية منذ صغره. فقد استطاع أن يتعلم ويتقن مجالات دراسية متنوعة، بما في ذلك الرياضيات واللغة والتاريخ والسياسة.
وكانت قدرته على استيعاب المعلومات ومعالجتها بسرعة مذهلة. إذ كان قادرًا على حفظ كم هائل من المعلومات وتطوير نظريات معقدة حول مواضيع مختلفة بكل سهولة.
في العشرينيات من عمره، وبعد أن أمضى بعض الوقت أستاذًا للرياضيات في جامعة رايس، استقال سيديس من منصبه. وفر من الحياة العامة واختفى عن الأنظار. أمضى السنوات القليلة التالية متنقلًا من مكان إلى آخر ومن وظيفة إلى أخرى، هاربًا من تطفل الناس حالما أدركوا مواهبه.
على الرغم من أنه كان يستمتع بالتعلم في صغره، فإن رأيه تغير عندما تقدم في السن؛ بسب ما لاقاه من ضغط عصبي ممن يحيطون به. ومعاناته من مشاكل عاطفية حادة لم يتمكن أبدًا من حلها. ففضل العيش بعيدًا عن المنافسة والأضواء والشهرة واختار أن يشتغل وظائف كتابية منخفضة الأجر لينعم بالحياة الهادئة التي كان ينشدها.

من وهج الطفولة إلى عتمة النسيان
وفي عام 1924، اكتشف الصحفيون أنه يعمل في وظيفة يحصل منها على 23 دولارًا في الأسبوع فتصدر هذا الخبر عناوين الصحف مرة أخرى ولامه الكثيرون على عدم استخدامه لذكائه بالشكل المطلوب من وجهة نظرهم ليكمل ما بدأه في طفولته وبالتالي لم يكن الأكثر “نجاحًا” بمعايير المجتمع.
لكن الحقيقة أن وليام لم يتوقف عن العطاء يومًا، فكان يؤلف كتبًا قيمة من بينها كتاب تاريخي يضم 1200 صفحة عن الولايات المتحدة الأمريكية. وكتاب آخر عن تذاكر النقل في الترام. وقد نشر العديد من أعماله بأسماء مستعارة، ويعتقد أننا لن نعرف أبدًا عدد الكتب التي نشرها فعلًا.
تم إيجاد جثة وليام عام 1944 في شقة صغيرة متواضعة في بوسطن وقد توفي عن عمر يناهز الـ 46، بسبب إصابته بنزيف في الدماغ، ونسي أمره تقريبًا ولم يعرفه عامة الناس.
إذ رغم عبقريته الاستثنائية، لم يترسخ اسمه في ذاكرة الإنسانية كما ترسخت أسماء مثل إسحاق نيوتن بقوانين الجاذبية أو ألبرت أينشتاين بنظرياته الثورية. فالتاريخ لا يخلد الذكاء المجرد وحده، بل يخلد الأثر.

وسيديس، على الرغم من قدراته الفذة، لم يغير مجرى المعرفة ولم يترك إنجازًا علميًا واضحًا يدرَّس أو يتداول بين الناس. إثر ذلك لم تنقذ العبقرية صاحبها من النسيان بقي اسمه أقل حضورًا مقارنةً ببقية العلماء. وتأطر ذكره في حدود كونه حالة نادرة من الذكاء أكثر من كونه صاحب إسهام مؤثر أو علامة فارقة في العلم وضاع بذلك في غياهب النسيان.
الكائنات الحية والجمادات
لكن العمل الذي يذكر به اليوم أكثر من غيره هو كتاب “الحي والجامد”The Animate and the Inanimate الذي نشر عام 1925 عندما كان سيديس في السابعة والعشرين من عمره. أثار الكتاب، ونظرياته، جدلًا واسعًا؛ بسبب رؤيته الفريدة للكون، ودفع ذلك الكثيرين إلى التساؤل عما إذا كان أذكى رجل على الإطلاق قد فقد بصيرته، أو ما إذا كان قد رأى شيئًا لم يره أحد سواه.
الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات كتبها سيديس حول مواضيع متنوعة، تتعلق في معظمها بالفيزياء والفلسفة. وفي الكتاب، عرض سيديس “نظريته الخاصة عن الكون”.

أطلق على هذا اسم “نظرية المركز الكوني”، التي وصفت كيفية تنظيم الكون حول نقطة مركزية وهي أصل كل الطاقة والمادة. كما اقترح أن الكون يتمدد وينكمش بنمط دوري.
إلى جانب بداية الكون، يناقش سيديس في كتابه طبيعة الحياة والوعي مؤكدًا أن الحياة ليست مجرد ظاهرة فيزيائية، بل هي أيضًا ظاهرة روحية. وقد وصف الكون كما لو كان كائنًا حيًا تترابط فيه جميع الكائنات الحية. ورأى سيديس أن الوعي كله مترابط ومتداخل. تمامًا كما هي الخلايا العصبية في الدماغ.
بين الإلهام والالتباس: عالم سيديس الفكري
كان الكتاب عملًا معقدًا وطموحًا يفيض بالعظمة ويعكس فضول مؤلفه العميق وذكاءه. ورغم أن بعض نظرياته قد تعرضت للنقد ولم تحظ بقبول واسع في الأوساط العلمية، فإن الكتاب يبقى قراءة شيقة ومثيرة للتفكير.
لا شك أن ويليام جيمس سيديس كان عبقريًا حقيقيًا. فمنذ صغره كطفل معجزة وحتى مساعيه اللاحقة في العلوم والفلسفة. كانت قدرات سيديس الفكرية وشغفه بالمعرفة لا مثيل لهما.

لا تزال رؤيته الفريدة للكون، وطبيعة الوعي، ومعنى الحياة نفسها ، تثير إعجاب القراء وتلهمهم حتى اليوم. سواء كنت من عشاق العلوم، أو من هواة التاريخ، أو مجرد فضولي بشأن العقل البشري فإن الخوض في عالم ويليام جيمس سيديس سيمنحك بلا شك تقديرًا جديدًا لقوة العقل البشري وأسرار الكون.
لكن الأفكار الواردة في كتاب “الحي والجامد” لا تزال عصية على التفسير المنطقي. ما الذي أراد سيديس قوله حقًا بهذه المفاهيم؟ وهل كان محقًا، ولو من باب الصدفة؟



















