استشارات

البهاق.. انتفاضة حزن في وجه غدر المجتمع

«ضحية» تحارب في معركتها الخاصة..

في طرقات الوهم الاجتماعي، تسير نحو درب مجهول، تترنح بعد أن أصابتها رصاصات التجنٌب من العدوى في قلبها البريء؛ هكذا يُصبح «البهاق» شبحًا يطارد صاحبته، وصمة عار تستمر أمد الدهر.

وبدلًا من أن يقابلها الأحباء بأذرعٍ مفتوحة؛ فإنهم يوجهون إليها نظرات الاشمئزاز، وحكم بالإعدام لمرض لا يعتبر سوى دليلاً قاطعًا على غدرهم بها.

لقد حددت المجتمعات، ملامح مستقبل الفتاة المصابة بالبهاق بالفعل؛ بسبب بضع تصبغات لونية ظهرت على وجهها، أو يديها، ويبدو أنهم أعطوا لأنفسهم الحق بأن يتنمّروا عليها، يخافون على أطفالهم من التعامل معها، ويوجهون إليها أصابع الاتهام، راكضين أميالاً مبتعدين عنها، متجنبين العدوى من مرض لا علاج له، ومع مرور الوقت، تغدو المصافحة باليدين أمنية لا تنالها سوى في أحلامها، حتى أصبح فقدان لون الجلد هو الخسارة الأقل في حياتها.

إن الخسارة التي تتعرض لها مريضة البهاق تكمن في ابتعاد الناس عنها، وتجنبهم إياها؛ فهي لا تعاني من مرض يصعب علاجه؛ بل إن المجتمع يساهم بطريقة ما في تفاقم حالتها، وازدياد الأمر سوءًا؛ حيث إن تدمير حالتها النفسية يزيد من التصبغات اللونية الظاهرة على جلدها، والتي تنتشر بفعل القيل والقال، وتصبح “ضحية” تحارب في معركتها الخاصة؛ اعتمادًا على قوتها الداخلية.

ما هو البهاق؟

يعتبر البهاق مرضًا جلديًا يحدث بسبب فقدان الجلد الطبيعي للونه، وتبدأ بعض البقع البيضاء أو فاتحة اللون في التأثير على الجلد، كما يؤثر سلبيًا على الشعر، والفم؛ هكذا أكد الدكتور محمد مهدي سفيان؛ استشاري الأمراض الجلدية، في تصريحات خاصة لـ «الجوهرة»، مفيدًا بأن المرض يمكنه أن يصيب كل أنواع البشرة.

أوضح الدكتور مهدي سفيان أن البهاق يمكن أن يظهر بوضوح كلما كان لون البشرة داكنًا؛ إلا أن ذلك لا يجب أن يقف حائلاً بين المريض وعلاجه، معتبرًا أن العالم أصبح أكثر وعيًا في الآونة الأخيرة، فيما يتعلق بهذا المرض.

قال استشاري الأمراض الجلدية: “إن البهاق قد يكون مرضًا واضحًا بالفعل؛ إلا أنه علامة تميز أصحابه، ممن يتمتعون بقدرات خارقة على التصدي للمصاعب في الحياة”، مشددًا على ضرورة التعامل بطريقة طبيعية مع مرضى البهاق؛ فهم الأكثر حساسية، نظرًا لمعاناتهم بأمر يتعلق بمظهرهم الخارجي، مما قد يقلل من عزيمتهم، أو يثبط قواهم، مؤكدًا أنه ليس مرضًا معديًا على الإطلاق، كما يروّج له البعض بأنه يمكن انتقاله عبر اللمس.

أنواع البهاق

أضاف الدكتور مهدي سفيان أنه يجب معرفة أنواع مرض البهاق المختلفة التي تستدعي طرقًا متباينة من العلاج؛ فهناك ما يشمل معظم أعضاء الجسم وهي ما يُسمى بـ “البهاق الشامل أو المنتشر”، وهناك ما يظهر على جانب واحد من الجسم؛ وعادة ما يظهر في سن مبكرة، أما في حالته المعروفة عربيًا؛ فإنه يظهر بسبب مهاجمة الجهاز المناعي لخلايا الجسم؛ ما ينتج عنه بقعًا باللون الأبيض في أماكن متفرقة، علمًا بأنه لا يوجد طريقة علمية يمكنها أن تحدد إمكانية انتشار المرض.

العوامل والأعراض

أوضح استشاري الأمراض الجلدية، أن الإصابة بالبهاق تحدث حينما تموت الخلايا الصبغية التي تنتج مادة “الميلانين”؛ التي تحدّد لون الشعر والجلد، وهو الأمر الذي يرجع إلى مشاكل في الجهاز المناعي، مؤكدًا أن العوامل النفسية الصعبة التي يمر بها الفرد تساهم بالضرورة في الإصابة به.

تتمثل أعراض البهاق في فقدان لون البشرة، وظهور بعض البقع البيضاء على الوجه، الأيدي، الذراعين، والشفاه؛ وهي أكثر المناطق المعرضة لضوء الشمس، وقد يصل إلى الأقدام، فروة الرأس، الرموش، والحاجبين، كما يتسبب في تغيير لون الطبقة الداخلية من مقلة العين.

وشدد الدكتور مهدي على ضرورة زيارة الطبيب؛ فور اكتشاف هذه الأعراض.

علاج فقدان لون البشرة

كشف سفيان عن وجود بعض الأدوية الخاصة التي يمكنها أن تحد من انتشار البقع البيضاء، كما يمكن أن تعيد اللون الطبيعي إلى الجلد، بينما فجّر مفأجاة من العيار الثقيل حينما أكد أنه لا يوجد علاج فعلي للمرض؛ حيث قال: “يُخدع العديد من الناس في وجود علاج فعلي للبهاق؛ إلا أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة، فإن ما يؤكده العلم أن الدواء الموجود بالفعل يعتمد على إمكانية استرجاع اللون الطبيعي للجلد؛ وذلك في حالة اكتشافه المبكر”.

وأضاف: “يجب التنويه أن العلاج يعتمد على التعرف على التاريخ المرضي للعائلة؛ فقد يكون المرض وراثيًا في العائلة، وقد ينتقل إلى الأجيال القادمة”، مشيرًا إلى أنه عندما تصاب المرأة بالبهاق؛ فإن حياتها تنقلب رأسًا على عقب؛ لذا فإنها تسعى للعلاج بشتى الطرق.

قال استشاري الأمراض الجلدية، إنه لا توجد وسيلة لمنع البهاق؛ لكن الوعي بالعلامات، يعتبر العامل الأكثر أهمية لمعالجة المشكلة، فضلاً عن معرفة الظروف الحياتية التي مرت بها المصابة، والتي يمكن أن تؤثر بالسلب على حياتها، وتتسبب بالفعل في معاناتها مع البهاق.

تحذيرات مهمة

أكد مهدي سفيان أنه يجب على المصابة بالبهاق، الابتعاد عن ضوء الشمس، وارتداء الملابس الواقية التي تحميها من الأشعة الضارة، كما يجب أن تتجنب استعمال الوصفات الطبيعية الخاصة بالبشرة، أو التعرض للمواد الكيميائية، محذرًا من خطورة عمليات “التسمير” المختلفة، أو إتباع وصفات علاجية؛ اعتمادًا على رأي الآخرين.

وأضاف أن السبب الأقوى الذي يضمن توفير العلاج للمريض، هو تجنب التوتر والقلق؛ حيث يجب أن يتوفر للمصاب بالبهاق، حياة اجتماعية إيجابية، في ظل بيئة تضمن له الاستقرار النفسي.

مرض يهدد الحياة

على جانب آخر، أفاد الدكتور عادل بلقاسم؛ استشاري الصحة النفسية، في تصريحات خاصة لـ«الجوهرة»، بأن البهاق يهدد حياة المصابين بالاكتئاب، وقد يجردهم من أبسط حقوقهم الاجتماعية؛ بسبب قسوة الناس في التعامل معهم؛ حيث يشعرون بأنه يتم إقصائهم خارج دائرة الاستمتاع بالحياة، ينبذهم البعض ويعتزلهم تمامًا؛ بسبب لون بشرتهم، وهو الأمر الذي يندرج بالضرورة تحت فئة العنصرية.

قال الدكتور عادل بلقاسم إن التعامل بقسوة أو اعتزال المصابين بالبهاق، قد يتسبب في ازدياد حالتهم المرضية سوءًا، إلى جانب الضرر النفسي الواقع عليهم؛ وذلك عندما يتم الزج بهم في سجن المجتمع الذين يكره حتى مصافحتهم.

وأوضح أن المعاملة التي يتلقاها مصابو البهاق، قد تهدد مصيرهم فيما بعد؛ فإنها قد تسبب في اعتزالهم الناس؛ ما يدمر حياتهم الاجتماعية، الأمر الذي قد يتفاقم فيما بعد ويصل إلى المعاناة من الاكتئاب، أو الانتحار بسبب تنمر الآخرين، وابتعاد المحبين عنها، وغياب المودة عن دنياهم.

البهاق

مواجهة التنمر والعنصرية

وأضاف أن المرض عندما يبدأ في الانتشار؛ فإنه لا يعكس مهاجمة الخلايا المسئولة عن صبغة الجلد؛ بل إنها مهاجمة أساليب التنمر للحالة النفسية للمصابة، التي قد تفقد قواها في الدفاع عن نفسها أمام نظرات لاذعة، وانتقادات قاسية، فضلاً عن توجيه الأسئلة المحرجة، و”الهمهمة” التي تحوم حولها، كل ذلك وأكثر يجعل المصابة تشعر وأنه تم الحكم عليها بالإعدام؛ وكأن الحياة باتت محرمة عليها.

وأوضح أنه رغم بساطة المرض؛ فإنه لا يتم النظر إلى البهاق، كما يتعامل البعض مع العيون الملونة _ على سبيل المثال _؛ فهم دائمًا في حالة هوس حقيقية بها؛ رغم كونها قصورًا خلقيًا، فنجد المجتمع يبتعد عنهم، ويعتزلهم؛ تجنبًا لعدوى وهمية خلقها تفكيرهم العنصري.

الألم النفسي

“إن البهاق قد يظهر في أعمار مختلفة، ولا يُسبب الألم الجسدي؛ لكنه بالضرورة يتسبب في ألم نفسي جراحه غائرة؛ وذلك في اللحظة التي يتم فيها التطلع بالمرآة وتجد حينها شخصًا آخر، تنتشر بقعًا غريبة الشكل على وجهه؛ إلا أن مجتمعاتنا العربية لم تتمكن من تبنّي ثقافة الاختلاف، بشكل كبير حتى الآن… أنا لا أحبذ استخدام كلمة «مريض البهاق»، ربما يكون مرضًا بالفعل على الصعيد العلمي؛ لكنه في الحقيقة ليس سوى لمسة جمالية تعكس حساسية الشخص، وحسه المرهف؛ فلا يجب أن ننسى أن المعاناة النفسية تعتبر إحدى أهم أسباب الإصابة به”؛ هكذا قال الدكتور عادل، في وصفه للبهاق.

ثقافة الاختلاف

وأردف قائلاً: “لقد استطاع العالم أن يُرحب بمصابات بالبهاق على منصة عروض الأزياء العالمية، الأمر الذي دفع العالم العربي لاحتضان مثل هذه المواهب، فقد رأينا شهد سلمان؛ عارضة الأزياء السعودية، وهو الأمر الذي يدفع للفخر بالاختلاف”، مضيفًا: “لقد عرف المجتمع الدولي جيدًا أهمية تمكين هذه الفئة؛ حتى تم إصدار ألعاب للأطفال تمثلهم”.

اختتم استشاري الصحة النفسية تصريحاته مؤكدًا على أهمية التعامل بطبيعته مع المصابين بالبهاق، مؤكدًا أن الجمال يكمن في عيون الناظرين؛ وهو المبدأ التي يعتمد عليه ثقافة الاختلاف في المجتمعات المتحضرة؛ حيث إن الجميع سواء، ومن ثم؛ فإنه لا يجب التعامل معهم وفقًا لبعض الأوهام التي نشرتها المجتمعات قديمًا، فمرضهم قرر أن يرسم لوحة مشاعر تنتفض في وجه الحزن، علمًا بأن المرض الأشد قوة يكون لدى النفوس المريضة التي تتخلى عن دعم تلك الأرواح مرهفة الإحساس في أبسط معاركهم مع الحياة.

اقرأ أيضًا: أعراض مرض البهاق وعلاقته بالمناعة

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق