اجتماعيات

صبحة بغورة تكتب: في رمضان.. لماذا السلوكيات في درجة الغليان؟

مع توالي أيام الشهر الفضيل تتسع ـ للأسف ـ، رقعة العنف والشجارات بشكل كبير خاصة بالأحياء الشعبية وبين السائقين في الطرقات والمارة في الشوارع فيما بينهم، وبين الباعة والمشترين في الأسواق المزدحمة، وكأن لا أحد أصبح يطيق الآخر في شهر الرحمة؛ إذ تنشب المشادات وتكثر الملاسنات الكلامية الجارحة لأتفه الأسباب، لتتشنج بعدها الأعصاب سريعا وتصبح المواقف أكثر حدة وعنادًا، ثم تتحول إلى تلامس جسدي استفزازي عنيف فتتعكر بدون داعي روحانية أيام الشهر الفضيل.

بالتأمل في حال المجتمعات العربية خاصة والإسلامية عامة، نقف على حقيقة التأثير الكبير للحالة الاقتصادية على سلوك العباد وحالتهم المزاجية وعلى طبيعة العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، فالأوضاع المعيشية الصعبة بسبب فيروس كورونا أدت إلى انخفاض القدرة الشرائية في الكثير من المجتمعات، ثم إلى تفاقم مظاهر العنف المعبر عن حالة ضيق شديدة تطبق على النفوس وترهق قلوب محدودي الدخل.

فما أشق على النفس من العجز عن شراء لوازم رمضان بسبب الجشع والغلاء الفاحش في أسعار المواد الغذائية الأساسية الذي هو مرجع الحقن الاجتماعي المغلف بمشاعر الغبن العميقة، والمؤدي إلى اشتداد النرفزة والغضب ونشوب حالات الشجار بسرعة؛ لأن الدخل المالي المحدود ينتج عنه وضع مزري تضيق معها الصدور نتيجة شدة وطأة الأعباء الثقيلة وعدم استطاعة شراء الكمية التي تكفي إفطار أسرة، فيتوتر الكثيرون نتيجة ذوبان رواتبهم الشهرية سريعًا في الأيام الأولى من الشهر نتيجة الارتفاع الفاحش والمفاجئ في الأسعار.

أن يتعمد المرء طوال العام إخضاع حضوره الذهني لعوامل خارجية تجعله أسيرًا لها كونها توفر له الهدوء العصبي والتركيز في التفكير كالتدخين مثلا وتناول القهوة والشاي وغيره، فإن هذه الحالة التي تعرف بالإدمان يضاعف الامتناع عنها حدة العصبية والنرفزة لأبسط الأسباب ويثير قلقا لا حدود له.

الغريب أن تنشب الشجارات العنيفة حتى داخل البيوت وبين أفراد الأسرة الواحدة، ويتعالى صراخ النساء وبكاء الأطفال لتكسر سكون الأمكنة المتأثرة بثقل الصيام وهدوء الأجواء الإيمانية التي تسبح في فضائها نفوس المؤمنين متأملة في الملكوت “سبحانك ما خلقت هذا باطلا “، لذلك فإن وضع كهذا مثير للشفقة ويدعو إلى ضرورة معالجته لأنه يستحيل القبول باستمراره بالشكل الذي ينتهك روحانية الظرف، ويشتت محاولة عباد الله المخلصين السمو بإيمانهم.

ومن هنا سجلت مراكز شبكات مساعدة النساء المعنفات من طرف الآباء والأزواج وحتى الأخوة، إقبالًا متزايدًا خلال شهر رمضان؛ حيث تستقبل هذه المراكز عشرات المكالمات الهاتفية يوميا من النساء المعنفات اللائي لم يشفع لهن وقوفهن بالساعات الطوال في المطبخ كل أيام الشهر لإعداد وجبة الإفطار التي بطبيعتها لا تحتمل التأجيل.

مشاهد مكررة وشكاوي معادة تصيب كبد الحقيقة، وهي أن الكثير من المجتمعات الإسلامية في حاجة ماسة للمزيد من الوعي الديني والنضج الأخلاقي والسمو الروحي الذي يترفع به صاحبه عن الصغائر خاصة في الشهر الكريم .
ليس الشجار والخصومات من الإيمان في شيء، وقد أوصى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعدم الغضب وحذر من عواقبه، فما القول خلال الصيام حيث لا يتفق ذلك مع ما يرجو الصائم من وراء جوعه وعطشه وكبح شهوته رحمة ومغفرة الغفور الرحيم.

الأحمق، هو من يضيع أجر صيامه بالغضب والتهور وترهيب البسطاء الصائمين، فمثل هؤلاء يصدق عليهم قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليس لهم من صيامهم سوى الجوع والعطش، بمعنى أنهم فرطوا في أجر كبير وثواب عظيم وعد به المولى عز وجل الصائمين في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به “.. حديث قدسي عظيم، فيه تأكيد على فضيلة الصيام وفضله من بين سائر الفرائض والأعمال الصالحة وعلى أن الله تعالى قد اختصه لنفسه من بين سائر الأعمال الأخرى.

ويعود سبب إضافة الصوم إلى الله تعالى إلى أنه لم يُعبد أحدٌ غير الله تعالى به، فلم يعظم الكفار في أي عصر معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة أخرى مثل الصلاة والسجود والصدقات والذكر وغير ذلك، وأيضا، لأن الصوم ينطوي على علاقة سرية بين المخلوق وربه لا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى عالم الغيب والشهادة، بخلاف إقامة الصلاة وأداء الحج والزكاة وتقديم الصدقات وغيرها من العبادات التي تبدو عادة ظاهرة للعيان مع ما قد يمكن أن تنطوي عليه من رياء هذا بخلاف الصوم، وفي هذا تعظيم لفضله وكثرة ثوابه، لأن المولى الكريم عز وجل إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء انشرحت النفوس واطمأنت إلى عظم قدر الجزاء المنتظر وسعة العطاء المرجو.

السلوكيات الاستفزازية خلال الصيام تناقض جوهره وتخالف هدفه كسبيل للوقاية والحماية “الصيام جُنةّ” والجنة هي الوقاية والحماية، والمعنى أن الصيام يعتبر سترة من الآثام والخطايا والكبائر أو من النار، وقيل لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، وفي الحديث النبوي “وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب”، وهو نهي صريح عن الرفث أي الكلام الفاحش، وعن الصخب بمعنى إتيان أفعال أهل الجاهلية كالصياح والسفه ونحو ذلك.

الصيام في حقيقته امتثالًا للأمر الرباني “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام”، ويعود فرضه إلى أنه مدرسة لتعليـم وتدريب الأفراد على عدد كبير من القيم التربوية فهو يخلص الإنسان من رِق الشهوة ويحرر نفسه من إذلال العبودية للمادة، وهو يعد تربية عملية هادئة على ضبط الغرائز ووسيلة تعليم راقية للتحكم فيها والسيطرة عليها، هذا جهاد شاق يعوّد الصبر والتحمل، ويعلّم قوة الإرادة ومضاء العزيمة، ويُعِدُّ الإنسان لمواجهة احتمالات الحياة وتقبلها بحلوها ومرها وسائر تقلباتها وكل متغيراتها ليصل بالنفس إلى أعلى مقاماتها وعظيم سموها، أما الاستسلام للسلوكيات المستفزة فهو فشل مريع في اختبار الصبر وإخفاق ذريع في قوة التحمل يترجم ضعف إيمان لا نرجوه لأحد.. رمضان كريم.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: في رمضان.. ماذا بقي من إيجابيات العناق في زمن كورونا؟

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق