تحت العشرين

صبحة بغورة تكتب: المراهقة بين احتياجات التقبل ومتطلبات التعرف

تتحقق نعمة التقّبل في الحياة بشرطين، هما، نوعية القيم التربوية التي شكلت شخصية الفرد، ومستوى المهارات المكتسبة؛ حيث إن القيم لا تتغير، والمهارات تتغير من زمن لزمن آخر، ووعي الآباء بهذه الحقيقة سيجنون ثماره أبناء صالحين ذوي شخصية سوية متجاوبة مع حقائق ومعطيات عصرها.

قيل خطأ: “لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم”، وفيه مغالطة فادحة؛ لأن التأديب يتضمن قيمًا أخلاقية سامية والأصل فيها أنها ثابتة ولا تتغير.

والقول أن: “ربوا أولادكم على زمانهم لا على زمانكم فإنهم ولدوا لزمان غير زمانكم” هو الأصح، لأن المقصود هنا ليس التأديب فقط وإنما التربية بمعنى محاولة إكسابهم مستويات أعلى من مهارات الحياة العقلية والفكرية والسلوكية، وافساح المجال واسعًا أمامهم من أجل تحقيق ذلك بنيل المزيد من العلم والتزود بما أمكن من ألوان المعرفة.

وبرغم ما قد يحمله ذلك من تجاوز لبعض التقاليد، ومن قفز على الكثير من العادات والأعراف ذات الحساسية بالنسبة للفتيات المراهقات خاصة، لكنه سيكون مقبولًا إذا جرى في حدود احترام القيم الأخلاقية والتجاوب الحميد مع متطلبات سنة التطور الطبيعي للحياة.

فترة المراهقة في حياة كل فرد، هي فترة حائرة ومرحلة لها خصوصيتها، فيها تكون شخصية الفتي أو الفتاة مضطربة وبطباع حادة، مزاجه دائم التقلب، تأبى شخصيته تجاهل حضوره أو الإقلال من قيمته وشخصيته والسخرية من أهميته في الأسرة ونكران وجوده فترة المراهقة هي بداية مرحلة عنفوان الشباب وانطلاقته.

أيضًا، أحلام المراهقة عصيبة ومتطلباتها كثيرة، وغالبا ما تتعدى قدرات الأسرة أو تتعارض مع أفكار ورؤى الأهل لمستقبل أبنائهم، والقليل من المراهقين يعترف بقلة حيلته ونقص خبرته ومحدودية درايته بأمور الحياة، وقلما تسمع منهم كلمة حق بحسن تدبير الأهل وخالص نصحهم له من أجل مصلحته وراحته.

لذلك، ينشأ سوء التفاهم المؤدي سريعا إلى مشكلة حياتية، الأهل من جهة يريدون السيطرة على ابنهم المراهق بمحاولة تفهم طبيعة حاجاته ومبررات متطلباته المتزايدة، والفتى المراهق من جهة أخرى لا يقوى على التحكم في لهفته ولا يستطيع كبح استعجاله في الحصول على كل شيء في أقرب وقت وخلال أقصر مدة.

والضرورة تقتضي أن يكون هناك مجالا للحوار الموضوعي والنقاش الهادئ من أجل التوصل إلى نقطة الوسط بينهما فلا تسيب ولا تشدد، ولا شدة ولا تراخي، وقد يحدث أن تعرف هذه الفترة الحرجة بعض العناد يليه شيء من التريث ، والعبرة في استيعاب الأهل لحقيقة المرحلة ودقتها ، فهي مرحلة يعيشها كل إنسان بسلبياتها وإيجابياتها، وخلالها يحاول المراهق إثبات الذات وتكوين الشخصية وصقلها لتؤسس قيمه ومبادئه.

وكثير من آراء المختصين تؤكد أن مسؤولية اجتياز هذه المرحلة بسلام تقع على عاتق الأم وليس الأب، لأنها تعتبر الأقرب إليه والأدري بحقيقة أخلاقه وجوهر شخصيته ولب نفسيته، وهي الأقدر على تزويده بالخبرة والنصائح والإرشادات بكثير من الحب والحنان والصبر، فيتسع صدره للاستيعاب والتقبل برحابة صدر، لذلك، فالامهات يمسكن بزمام الأمور حتى في أحرج الظروف عندما يسود سوء الفهم وتبرز مؤشرات العناد، فحنان الأم يضع حدًا أمام التصعيد لتلافي حدوث تمرد.

تباين وجهات النظر في شؤون الحياة قد لا يجعلها تسير على وتيرة واحدة، ومن جانب الشاب المراهق الذي يريد كل شيء لنفسه، فإنه يندفع بكثير من التهور، والأهل حريصون على إسعاد أبنائهم ولكنهم يرغبون أن يحصل هذا بهدوء وتروي حتى يتأكدوا أنه ليس هناك اعتداء على حق الغير من أخوته أو أقاربه أو أصدقائه، وهنا قد يحدث التصادم، والعبرة تكمن في إدراك الأهل أن المراهق يعيش مرحلته العمرية بحرية وبعفوية، ويتصرف على راحته ولا يعطي بالًا لرأي أهله، ولكن يفعل ما يراه هو ويسمع فقط كلام نفسه، وأن المبالغة في الشدة وعدم التفهم لطبيعة متطلباته مؤذية ومسيئة وقد يكون قليلها كافي لتحقيق الفائدة بتعميق وعيه بما يفعل وخطورة ما هو مقبل عليه.

المتفق عليه أن هناك ضرورة بوجود التفاهم والحوار بين الأهل والمراهق، والسبيل لتحقيق هذه الوقفة هو تشكيل تقبل نفسي مبدئي لدى المراهق يبدأ في الحقيقة منذ الصغر من خلال تعويده على طاعة الله ورسوله الكريم والاستماع بكل احترام لكلام الوالدين، وسيكون لهذا التمهيد أثره الكبير في خلق الرغبة في المناقشة والتمتع بجو التفاهم الذي ينبغي أن يكون عماده الالتزام بالمنطق في الحديث وأحكام العقل عند إبداء الرأي في كل شؤون الحياة مهما كانت صغيرة أو تافهة.

وقد يميل أحد المراهقين إلى العناد في أبسط الأمور، فلا يقتنع برأي أهله ويطلب تركه يخوض غمار أي تجربة ليكتشف بنفسه صحتها من بطلانها، وذلك على خلفية رغبته الشديدة في أن يجرب بنفسه كل شيء، ومثل هذه الشخصية تكون متعبة للوالدين لأنه يكون كثير المجادلة ولا يقتنع بسهولة.

لم يعد الأب المسؤول الأول والمباشر عن تربية أولاده، كما لم يعد المصدر الوحيد للأخلاق الحميدة والقيم الصحيحة بعدما أصبح الشباب يستقون معلوماتهم وقيمهم من مصادر أخرى كثيرة، في ظل نظام العولمة وظهور الفضائيات ومختلف تطبيقات الانترنت والمواقع الالكترونية.

لكن، مهما كانت درجة تأثير تطور وسائل الإعلام والاتصال على شخصية المراهق وقوة الجذب والإبهار التي توفره لتحقيق متعة المشاهدة، فإنها لا تمنحه نعمة حب والده ولا تشعره باللمسة الحانية لأنامل أمه، ولن تسمعه الكلمات العذبة كتلك النابعة بإخلاص من صميم قلب الوالدين.

إن حل مشاكل مرحلة المراهقة ومعالجة عناء المراهقين، يكمن في تكاتف قوى المجتمع بهيئاته الدينية ومؤسساته المدنية التعليمية والتربوية والثقافية والفنية والرياضية للعمل معًا على صرف اهتمامه نحو تنمية قدراته الفكرية والبدنية، وتسخير طاقته الزائدة فيما يصلح لنفسه وذاته؛ فتخف حدة طباعه، ويهدأ توتره ويفيق من حيرته بالمزيد من التعرف على حقائق حياته، وبذلك سيتهيأ لما ينتظره مستقبلًا من مهام لاشك ستكون طبيعتها مغايرة تماما للواقع المعاش.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: الثقافة الجنسية في المدارس.. رفض فتحفظ ثم قبول!

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى