في واقعة صادمة، اكتشفت سيدة تدعى “كوثر” بعد ست سنوات من الزواج أنها مطلقة دون علمها، أثناء توجهها لتجديد بطاقتها الشخصية، لتبدأ معها رحلة من الصدمة والإنكار ومحاولات التأكد، قبل أن تتضح الحقيقة: زوجها أنهى العلاقة الزوجية بطلاق غيابي موثق رسميًا.
تلك القصة ليست حالة فردية، بل تفتح ملفًا شائكًا حول ما يعرف بـ”الطلاق الغيابي”، بين من يراه حقًا قانونيًا للرجل، ومن يعتبره بابًا لمعاناة نفسية واجتماعية تمتد آثارها إلى الزوجة والأبناء.
الطلاق الغيابي.. حق قانوني مثير للجدل
يؤكد مجدي عبد الرحمن؛ المحامي بالنقض أن الطلاق الغيابي هو قيام الزوج بتطليق زوجته دون حضورها أو علمها المباشر، مع توثيقه رسميًا لدى المأذون أو المحكمة، مشيرًا إلى أن القانون يمنح الرجل حق إيقاع الطلاق حتى في غياب الزوجة.
ويلجأ بعض الأزواج إلى هذا النوع من الطلاق عند وصول العلاقة إلى طريق مسدود أو تجنبًا للمواجهة، إلا أن القانون يلزم الزوج بكافة الحقوق المالية للزوجة، مثل نفقة العدة، ونفقة المتعة، ومؤخر الصداق، إضافة إلى حقوق الأطفال من نفقة وحضانة ومسكن.
ويضيف أن الطلاق الغيابي غالبًا ما يكون رجعيًا خلال فترة العدة. ما يتيح للزوج إعادة زوجته دون موافقتها خلال 60 يومًا، مع استمرار حقوقها القانونية كاملة.
حقوق محفوظة.. لكن متأخرة التنفيذ
ورغم ضمان القانون لحقوق الزوجة، فإن المشكلة الأساسية تكمن في تأخر علمها بالطلاق. ما يؤدي في بعض الحالات إلى تعطيل الإجراءات القانونية أو تأخر الحصول على المستحقات.
ويؤكد “عبد الرحمن” أن الزوجة بمجرد علمها بالطلاق يحق لها رفع دعاوى قضائية للمطالبة بحقوقها من تاريخ وقوع الطلاق، وليس من تاريخ العلم به. كما أشار إلى أن إخفاء الزوج للطلاق يعد نوعًا من الغش القانوني الذي لا يسقط حقوقها.

آثار نفسية واجتماعية عميقة
على الصعيد النفسي، ترى الدكتورة أميرة شاهين؛ الأخصائية النفسية أن الطلاق الغيابي يصنف كـ”طلاق تعسفي” نظرًا لحدوثه المفاجئ دون تمهيد. ما يسبب صدمة نفسية حادة للزوجة، تتراوح بين فقدان الثقة والاكتئاب. وقد تصل في بعض الحالات إلى اضطرابات نفسية شديدة.
وبحسب “spot” توضح أن ردود الفعل تختلف حسب شخصية المرأة وظروفها، لكن القاسم المشترك هو الشعور بالخذلان وفقدان الأمان. ما يستدعي دعمًا أسريًا ونفسيًا لتجاوز المرحلة الأولى من الأزمة.
رؤية شرعية.. بين الحق وسوء الاستخدام
من جانبه، يوضح الدكتور سالم عبد الجليل؛ وكيل وزارة الأوقاف الأسبق، أن منح الرجل حق الطلاق يرتبط باعتبارات شرعية تتعلق بتحمل المسؤولية واتخاذ القرار. إلا أن بعض الرجال يسيئون استخدام هذا الحق، ما يحوله إلى أداة إضرار بالمرأة.
ويؤكد أن الطلاق يجب أن يتم في إطار “الإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان”. كما حذر من ممارسات الإخفاء والتحايل، التي وصفها بأنها خروج عن القيم الدينية. وأشار إلى ضرورة تعزيز الرقابة على إجراءات التوثيق وإخطار الزوجة رسميًا بالطلاق.
دعوات لتعديل المنظومة
وفي السياق الاجتماعي، ترى الدكتورة هالة يسري؛ أستاذة علم الاجتماع أن الطلاق الغيابي يحتاج إلى إعادة نظر تشريعية. بحيث يتم داخل إطار قضائي يضمن الشفافية ويحفظ حقوق جميع الأطراف، خاصة الزوجة والأبناء. كما أكدت أن العلاقات الأسرية تقوم على المودة والرحمة وليس المفاجأة والغياب.
بين الرفض والتأييد
على الجانب الآخر، يرى بعض الحقوقيين أن الطلاق الغيابي لا يختلف كثيرًا عن الخلع. إذ يمكن أن يحمل كل منهما جانبًا من عدم الإخطار للطرف الآخر. وأشاروا إلى ضرورة النظر للموضوع من زاوية المصلحة العامة للطفل واستقرار الأسرة، بعيدًا عن الصراع القانوني وحده.
وفي النهاية، يبقى الطلاق الغيابي قضية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها النصوص القانونية مع الرؤى الشرعية والاعتبارات النفسية والاجتماعية. ذلك في ظل جدل مستمر حول كيفية تحقيق التوازن بين حق الزوج في إنهاء العلاقة الزوجية، وحق الزوجة في المعرفة والعدالة النفسية والمادية. بما يضمن حماية الأسرة من التفكك والصدمة المفاجئة.

















