أسرة ومجتمعاجتماعيات

صبحة بغورة تكتب: الحرمان والامتنان في تقدير القيمة

عندما يعود كل شخص بذاكرته إلى سنوات طفولته الأولى، سيستحضر بشكل أو بآخر لحظات يكون قد عانى فيها من بعض حالات الحرمان في مستوياته المختلفة، مثل الحرمان من المشاعر الجميلة أو الشوق إلى اللمسات الرقيقة أو الحنين إلى الصدر الدافئ، أو الحرمان من الحب ومن تذوق حلاوة الأمان والتمتع بدفء الحماية، أو الحرمان من عبارات الإشادة والتشجيع المعززة للروح المعنوية والداعمة للحالة النفسية.

وقد يبلغ بالبعض حجم الحرمان إلى ما يجعلهم يتساءلون عن حقيقة أهميتهم للعيش في هذه الحياة أو عن جدارتهم بالحب، وعن مقدار ثقتهم بمن حولهم.. إن مثل هؤلاء مؤكد أنهم لم يتعرضوا في صغرهم للحرمان المادي وبرغم ذلك شبوا ولم يتذوقوا طعم الدفء العائلي لانشغال الوالدين في العمل، حتى أن بعضهم يكون قد عرف الحرمان من متعة مرح ولهو الطفولة نفسها فنضجوا قبل الأوان في عائلات حياتها مليئة بالمشاكل اليومية، فحرموا مبكرًا من ممارسة الحياة الطبيعية.

ومثلهم يتساءلون، ما هو الطبيعي في الحياة؟ إنهم يعجزون عن تعريف المتعة، ولا يحددون ما هو الحب، ولا يعرفون كيف يكون الشعور به، ولا يجيدون إقامة علاقات اجتماعية جيدة، ويفشلون في التعبير عن أنفسهم وعن آرائهم وعن عرض أفكارهم.

الكثير ممن عانوا من قسوة الشعور بالحرمان في سنوات طفولتهم الأولى بقي هذا الشعور يلازمهم واستمر معهم خلال سنوات البلوغ والنضوج، ثم سيطر على نمط تفكيره وجعله يشعر بالمزيد من الحرمان؛ فانعكس ذلك على توجهاته وتصرفاته وعلاقاته بين الغيرة من الذين لديهم الكثير من ما ليس لديه منه، وبالإحباط من فشل الحصول على ما يريده الشخص ويتمسك به بشدة سواء كان فعلا هو ما يحتاجه بالضبط أو كان مجرد مناسبا له، وقد يستسلم ويرضى بالقليل، فنكون أمام فرضية أن يصبح الحرمان شعور عام من المتوقع أن يرافقه الخوف حتى إذا لم يكن هناك سببا له.

ومن المضاعفات السلبية المتوقعة أيضًا، أن يجر تفاعل الشخص مع الحرمان بالإصرار على المضي قدما في العيش على نوعية الحياة ومع نفس الأشخاص المحيطين، لمجرد محاولة تعويض ما سبق أن حرم منه، وهيمنة مثل هذه التوقعات يمكن أن تؤدي إلى تدمير كلما هو جميل في الحياة.

قد يهمك: 7 بدائل طبيعية لأدوية السيولة.. منها الرمان

فالتفكير السلبي والحرمان، يؤديان إلى ضبابية الرؤية لشؤون الحياة والنظر للأمور بتشاؤم كبير يمنع حدوث الأشياء الجيدة، وإلى تركيز التفكير بما هو ليس موجودًا في واقع الحياة اليومية للشخص، أو أن ما لديه منه يضعه في حالة خوف من عدم قدرته على الحصول على المزيد منه، أو في حالة حسرة لأن ليس لديه ما يكفيه للتمتع أطول فترة ممكنه، ليشبع رغبته، وأنه لن يلبث أن يتبخر من بين يديه ولن يصبح لديه منه شيء.

المؤلم في الأمر، أن يعيش الإنسان محروما ويظل يعتقد بعدم امتلاكه ما يكفي أو أنه صار لا يستحق ما هو جيد في الحياة، لذلك فالشعور بالحرمان غالبا ما يبخس الأشياء قيمتها مهما كانت جودتها، على خلاف الامتنان الكبير للقدر في ابتسامته للمرء أن منحه نعمة التفاؤل والاستبشار التي تزيد بركة الأشياء وما يبقى على المرء سوى تقدير قيمة ما بين يديه حق التقدير والرضى والقناعة بما لديه والاهتمام به.

تشتد الحاجة إلى الشعور الدائم بالامتنان حتى قبل أن ننال أي شيء من نعم الحياة، وتؤكد هذه الحاجة السعي الدؤوب للشخص في معاشه وهو يتطلع إلى تحقيق الأفضل الذي يستحقه من هذه الحياة، ويساوي الاعتقاد باستحقاقه الأشياء الجميلة نفس أهمية الشعور بالامتنان، ومن دون تغيير معتقد الشخص بشأن ما يجب أن يستحقه من الأفضل قد يجعله يستمر في معاناته ويقاسي دائما الشعور بالحرمان.

ليست كل حالات حرمان الشخص من متع الحياة، مبرر لاعتقاد المرء بظلم اجتماعي أحاط به أو مثيرة بالضرورة لمشاعر الغبن والقنوط، فامتثال المؤمن للأمر الرباني بصوم رمضان مظهر طاعة يغتبط فيه المؤمن ــ على ما فيه من الحرمان الشديد ــ بطاعته وبالتقرب إلى الله شاكرًا إن أمد في عمره وصحح بدنه ووسع رزقه وهدى وآوى.

وفي ذلك امتنان صريح وكبير مستغرق في الحرمان، فترى المؤمن يضاعف الجود في أيام رمضان ويسارع إلى الخيرات ويغتنم فضيلة الوقت وشرف الزمان؛ ليكون في مرتبة من يصدق عليهم نداء المنادي يا باغي الخير أقبل في ليالي العتق من النار.

لذلك، فلا مجال للتثاقل والتغافل والتباطؤ والتجاهل، فحقيقة الثواب المأمول مرتبطة بمقدار الصبر على مغالبة الهوى ومدى الالتزام بحرمان النفس من جميع الشهوات، ومن هنا تبرز القيمة العظيمة للثواب والحجم الكبير من الجزاء الذي سيدفع كل نفس مؤمنة إلى الاحتفاظ بأعمق مشاعر الامتنان تجاه كل ما قدمته من الحرمان، وعليه يبرز حسن التقدير الصائب للقيمة.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية


اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: العلاج النفسي لمشاكل النساء

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى