لم تكن جائزة «شخصية العام الثقافية» التي منحها وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، إلى الدكتور سعد الصويان في منزله عام 2024 مجرد تكريم أكاديمي عابر؛ بل كانت احتفاءً بمسيرة استثنائية لرجل أفنى عقودًا من عمره في التنقيب عن الجذور الأنثروبولوجية للهوية العربية، وحماية الموروث الشفهي من الضياع في رمال الصحراء.
من “عنيزة” إلى “بيركلي”.. رحلة التكوين العلمي
ولد سعد الصويان في مدينة عنيزة عام 1944، وبدأت رحلته الأكاديمية الطموحة في الولايات المتحدة؛ حيث حصل على البكالوريوس والماجستير في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا من جامعة شمال إلينوي.
وتوج مساره العلمي بشهادة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي عام 1982م، في تخصص دقيق يجمع بين الأنثروبولوجيا والفلكلور والدراسات الشرقية. وهو المزيج الذي شكّل لاحقًا فلسفته الفريدة في قراءة التراث.
عقب عودته للمملكة، تدرج في المناصب الأكاديمية بجامعة الملك سعود، وأشرف على متاحفها وأقسامها الاجتماعية، وصقل تجربته بمنح بحثية في ألمانيا، حتى وصفه النقاد بـ”شيخ الأنثروبولوجيين العرب” نظير عمق أطروحاته وصرامته المنهجية.

مشروعات التوثيق.. تدوين ما لا يدون
عرف “الصويان” بكونه “رجل المشاريع الضخمة”؛ حيث قاد مبادرات توثيقية غير مسبوقة غيرت وجه المكتبة العربية، ومن أبرزها:
- جمع الشعر النبطي (1983-1990): جاب الصويان الصحاري حاملًا جهاز تسجيله ليوثق مئات الساعات من المقابلات مع رواة البادية المسنين، جامعًا ليس فقط القصائد؛ بل كل ما يتصل بحياة البادية من أنساب ووسوم وتاريخ شفهي.
- سيرة الملك عبد العزيز (1991-2001): أدار مشروعًا وثائقيًا جبارًا نتج عنه 20 مجلدًا، لخصت أكثر من 50 ألف وثيقة أجنبية (بريطانية، فرنسية، وأمريكية) تؤرخ لفترة حكم المؤسس.
- الثقافة التقليدية في المملكة: ترأس هيئة تحرير هذا المشروع الذي صدر في 12 مجلدًا. متناولًا تفاصيل الحياة اليومية من الطب الشعبي والعمارة إلى الحرف اليدوية والإبل.
المؤلفات.. فلسفة الانفتاح وفهم “الآخر“
لم تكن كتب “الصويان” مجرد رصد تاريخي؛ بل كانت دعوة لإعمال العقل والتحرر من الأطر الضيقة. ومن أهم إصداراته:
- ملحمة التطور البشري: الكتاب الذي نال عنه جائزة الشيخ زايد للكتاب. يقع في أكثر من ألف صفحة. كما يتتبع مسيرة الإنسان وتطوره الاجتماعي والاقتصادي. كما اعتبر الأنثروبولوجيا أداة لتحرير العقل من “العنجهيات المذهبية والعنصرية” وتعزيز لغة الحوار بين الحضارات.
- أطروحات أنثروبولوجية: ناقش فيه قضايا الكرم العربي، وشعر المديح. علاوة على القوانين العرفية في البادية بمنظور علمي حديث.
- فسح سهوًا: كتاب جمع فيه مقالاته الصحفية التي تناولت الشأن المحلي السعودي بجرأة وشفافية. مبرزًا هويته كمواطن مسكون بهموم الوطن.
- الصحراء العربية: دراسة أنثروبولوجية معمقة تربط بين ثقافة الصحراء والشعر عبر العصور.

وحدة الذاكرة السعودية.. إرث متاح للجميع
تقديرًا لقيمة أرشيفه الخاص، تسلمت وحدة الذاكرة السعودية بمركز الملك فيصل للبحوث مكتبته ومجموعته الصوتية والفوتوغرافية. علاوة على ذلك، يضم هذا الكنز النادر نحو 4267 كتابًا بلغات مختلفة، و97 مخطوطة للشعر النبطي، و585 تسجيل صوتي نادر. كما يعمل المركز حاليًا على تفريغ هذه التسجيلات نصيًا لضمان استدامة الفائدة منها للباحثين حول العالم.
تألق إذاعي وجوائز وطنية
ولم يحصر “الصويان” علمه في قاعات الجامعات. بل نقله للجمهور عبر أثير الإذاعة ببرنامجه الشهير «سواليف من الأرشيف». الذي ربط فيه بين حياة البادية والشعر الجاهلي، محاولًا حل ألغاز الأدب القديم عبر الملاحظة الميدانية.
كما توجت هذه الرحلة بجوائز رفيعة، منها جائزة أمين مدني للبحث في تاريخ الجزيرة العربية، وصولًا إلى جائزة شخصية العام الثقافية 2024. ليبقى الدكتور سعد الصويان رمزًا للباحث الذي استطاع أن يمنح “الذاكرة الشفهية” صوت أكاديمي رصين، وجسر يربط أصالة الماضي بتطلعات المستقبل.



















