ثقافةثقافة وفنون

د. رانيا يحيى تكتب: «صوت الجبل» وديع الصافي.. حين يصبح الغناء معبرًا عن آلام شعب وآماله

طلت علينا أصوات عديدة تتمتع بصوت طربي بديع من لبنان، وكان الفنان اللبناني وديع الصافي صاحب صوت جهوري متميز، وصدح في عالم الفن منذ عقود عدة صال وجال خلالها في جميع أرجاء المعمورة؛ لما كان يتمتع به من عذوبة في الصوت مع جمال الألحان التي أبدع فيها وتجلت في سنوات شبابه.

صوت الجبل وديع الصافي

لم يكن يتجاوز وديع الصافي، السابعة عشرة من عمره عندما انطلق في المجال الفني بعد فوزه بالجائزة الأولى عن فئات التلحين والغناء والعزف من بين العديد من المتقدمين إلى مسابقة “راديو الشرق” بإذاعة لبنان عن أغنيته “يا مرسل النغم الحنون”.. وكانت هذه نقطة التحول والبداية الحقيقية التي أعلنت بزوغ نجم هذا العملاق من وحتى رحيله.

وُلد الفنان الراحل وديع بشارة يوسف جبرائيل فرانسيس، الشهير باسم “وديع الصافي” في مدينة نيحا الشوف بدولة لبنان الشقيقة عام 1921 وظهرت موهبته الفنية منذ نعومة أظافره؛ حيث نبغ في تقليد الأصوات وصياح الديوك ببراعة وهو لم يتجاوز العامين.

ورغم هذه الموهبة الفذة، إلا أن والديه رفضا تعلقه بالمجال الفني في بداية الأمر، لكن يرجع لخاله “نمر العجيل” الفضل في احتضان هذه الموهبة؛ إذ شجعه على تعلم الموسيقى والعزف على آلة العود، ومن ثم أهداه آلة عود لتيسير أساليب التعلم.

وكانت مرحلة طفولة وديع الصافي شاقة بائسة غير مستقرة؛ نظرًا لعمل والده كخيال في إدارة الخيل التابعة لوزارة الداخلية اللبنانية، وهو ما دعا الطفل لترك الدراسة بعد ثلاث سنوات فقط من الالتحاق بها؛ لإعانة الوالد على تلبية مستلزمات الأسرة، ثم اتجه بعد ذلك لكي يعمل بالفن الذي أحبه.

الإبداع الموسيقي
د. رانيا يحيى

ويُعد صوت هذا المبدع الكبير من أقوى الأصوات الغنائية التي ظهرت على الساحة العربية ككل؛ فهو يتمتع بمساحة صوتية عريضة تتجاوز الاثنين أوكتاف ونصف تقريبًا؛ وذلك يعني اتساع الطبقة الصوتية وشمولها نغمات عدة تمتد من الطبقة الحادة إلى الغليظة، وهذه المساحة الصوتية حين يمتلكها أي مطرب فهي تساعده في التنقل عبر طبقات صوتية متباينة، وبالتالي تعمل على إتاحة المجال للتعامل مع مقامات موسيقية متنوعة المزاج والطابع.

وكان وديع الصافي يمتلك نبرة صوتية صافية يغمرها الجمال والصدق؛ لما بها من قوة ودفء وسعادة وشجن، فضلًا عن تمكنه من حرية الانتقال بين هذه النغمات بطلاقة ورشاقة، خاصة ما كان يميزه عند الهبوط المفاجئ من أقصى النغمات حدة إلى أشدها انخفاضًا ببراعة فائقة كانت تخلب عقول المستمعين فيستمر التصفيق من الحضور حتى تشعر بأن المسرح يصيبه حدث جلل من روعة المشهد.

ولا ينبغي أن نغفل رقة إحساسه في تعبيراته اللفظية وكيف يجسدها بجميع حواسه، بالإضافة لزخارفه اللحنية التي أعطت طابعًا فريدًا لأسلوبه الغنائي ومذاقًا خاصًا لكل جماهيره من المحيط للخليج.. كذلك كان لاتباعه أساليب الغناء اللبناني الشعبي والفلكلوري أثر في رواج أعماله الفنية وأغنياته خارج حدود وطنه؛ حيث تمتد جذور بعض الأساليب إلى الدول المجاورة كسوريا وفلسطين والعراق والأردن، أيضًا اللون الجبلي المستخدم في الغناء اللبناني والذي عُرف عن “وديع” براعته فيه؛ ما جعله يجوب هنا وهناك ويستحوذ على شعبية في الأقطار المختلفة.

وقد حمل هذا الصوت الرخيم بين طياته بعض التناقضات؛ ففيه مزج ما بين القوة والرقة، الالتزام والصرامة بالتقاليد والقوالب، وفي الوقت ذاته الرشاقة في الانتقالات النغمية وحرية التعبير، أيضًا الربط ما بين الأصالة والمعاصرة في حفاظه على التراث الغنائي الشعبي اللبناني والولوج به في قلب الأغنية الحديثة التي تسمعها الأجيال الشابة؛ ما يساعد في التقريب بين القديم والحديث بطريقة غير مباشرة.

كما نستطيع القول إن مدرسة وديع الصافي في الغناء هي السهل الممتنع، فقد يعتقد البعض سهولة محاكاة هذا الأسلوب الطربي الأصيل ببساطة أدائه وما يمتلكه من موهبة ساحرة؛ من حيث قوة الصوت وحجم الموهبة، لكن الحقيقة هي انفراده بإمكانيات ربانية خاصة أتاحت له أن يستمر كنجم ساطع في سماء الوسط الفني، ليس على الصعيد العربي فقط بل عالميًا كذلك.

وكان لأداء وديع الصافي التكنيكي البارع على آلة العود خلال غنائه دور مهم وبارز في ارتباط الجماهير بأسلوبه المميز؛ لتعلق هذه الآلة بقاطني بلاد الشرق تحديدًا وحبهم لها، وقد تطرق “الصافي” _على مدار مشواره الموسيقى الطويل سواء في الغناء أو التلحين_ لاتباع كثير من الصيغ والقوالب الموسيقية؛ منها الطقطوقة أو الأهزوجة والأغنية والموال والقصيدة، كما كان لأخلاقه وتواضعه وخصاله الحميدة أثر طيب في كل من تعامل معه على المستوى الشخصي؛ حيث كان دائمًا ما يمد يد العون للأجيال الصاعدة من الشباب، ويمنح خبراته كي يستفيد منها كل من يأتي بعده على الساحة.

ولم يقتصر دوره الفني على تقديم الأغنيات الخفيفة والعاطفية والإعلاء من شأن الأغنية العربية والنهوض بالذوق العام؛ بل استطاع أيضًا أن يعبر عن آلام الشعب اللبناني وأوجاعه؛ من خلال أعماله الفنية التي دافعت عن وطنه وعرضه لبنان بلد الفن والثقافة، نابذًا العنف ورافضًا لويلات ولعنات الحرب والهلاك على شعبه الجسور.. فكان لفنه بُعد سياسي، وبالتالي فهو محرك لآمال شعب وطموحات أمة بأكملها.

وقد حصل وديع الصافي على عدة تكريمات متمثلة في الأوسمة رفيعة القدر على المستوى الدولي، وكذلك دكتوراه فخرية في مجال الموسيقى من جامعة “الروح القدس”، بالإضافة للحفاوة البالغة عند استقباله في شتى الدول.. وقد أُطلق عليه لقب “مبتكر المدرسة الصافية” نسبة إلى اسمه، كما لُقّب كذلك بألقاب أخرى، منها: “صاحب الحنجرة الذهبية” و”صوت الجبل”.


دكتورة رانيا يحيى
رئيس قسم فلسفة الفن بأكاديمية الفنون
عضو المجلس القومي للمرأة بمصر

اقرأ أيضًا: دكتورة رانيا يحيى تكتب: الصمم والإبداع الموسيقي بين الحقيقة والادعاء

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى