ثقافة وفنون

د. رانيا يحيى تكتب: سيرة الحب.. بليغ حمدي وحكايته مع الزمان

حينما نذكر المسرح الغنائي يتبادر إلى أذهاننا مباشرة سلامة حجازي وسيد درويش ومنيرة المهدية ومن بعدهم كامل الخلعي وزكريا أحمد، وغيرهم ممن حاولوا إحياء هذا اللون المسرحي، فهذه الأسماء لمعت وتركت بصمتها لدى الجمهور.

والواقع أننا نفتقد كثيرًا وجود مسرحيات غنائية على الساحة الفنية بعد أن شكلت كثيرًا من وعي وثقافة المصريين لما يزيد على قرن من الزمان، فالمسرح الغنائي قريب من وجدان المصريين والعرب؛ حيث الثقافة الموسيقية الغنائية الغالبة على هذه المجتمعات، وأيضًا ارتباط الجمهور بالمسرح “أبو الفنون” والذي يضم في بوتقته الفنون المميزة؛ منها: الغناء والرقص والاستعراض بجانب الدراما والأداء التمثيلي للأبطال.

تراجع المسرح الغنائي

وبعد أن تراجع المسرح الغنائي عن الساحة، قلما نجد مسرحية من هذا النوع، وأصبحنا في اشتياق دائم لمثل هذه الأعمال والإبداعات وإن كانت تتشابه بعض الشيء مع فن الأوبرا الذي يتابعه الصفوة والطبقة الأرستقراطية والأكثر ثقافة ووعيًا في مجتمعنا، لكن المسرح الغنائي يخاطب شريحة أعم وقطاعًا عريضًا من الجمهور.

لذا، أعتقد أن المسرحية الغنائية “سيرة حب” بسحرها الخاص، خاطبت الجمهور المصري والعربي لثلاثة أسباب رئيسة على حد اعتقادي؛ أولها: انتماءها للمسرح الغنائي الذي أشرنا إليه ومع ندرة هذه الأعمال فهناك حالة من الجذب لاستعادة هذه المسرحيات المشوقة والمتميزة.

السبب الثاني، هو تناول العرض لأحد عمالقة التلحين الموسيقي والذي عشقه الجمهور على مدار عقود طويلة قدم خلالها مئات الألحان التي ما زالت تحيا في وجداننا جميعًا، فالحقيقة أن بليغ حمدي واحد ممن أثروا موسيقانا العربية بأعماله وألحانه العاطفية والوطنية المحببة، وآخر هذه الأسباب هو فريق العمل المتناسق فنيًا، والذي يجسد الشخصيات ببراعة فنشعر أننا أمام حالة حب في سيرة الحب.

رانيا يحيى
د. رانيا يحيى

اسكتشات إبداعية

أما العرض ذاته، فيجسد محطات مهمة فنية وإنسانية في مشوار بليغ حمدي وعلاقاته بعمالقة الطرب، مع تناول غنائي لمجموعة من أشهر أغنياته تتخللها مجموعة من الاسكتشات الإبداعية التي تكاتفت فيها العناصر الفنية الغالبة من دراما وتمثيل واستعراض، وهي حالة من التجانس لصنع رؤية جمالية حسية لدى المتلقي، والواقع أن اختيار الأبطال المشاركين في العمل تم معظمه بإتقان.

وقد عشنا في معية بليغ حمدي برهة من الزمن نفسيًا وروحيًا، فالمتعة التي تتحقق لنا عند سماع ألحانه الرائعة نكون تحت مظلة إبداعه سمعيًا، أما أن تتحول هذه الحالة الشعورية لكي تعبر إنسانيًا عن مواقف من عمر هذا الفنان فهي تجربة مسرحية تستحق أن نقف عندها لتقدير واحد ممن أسعدوا الملايين، ولإحياء سير هؤلاء المبدعين لدى الأجيال الجديدة التي ربما تسمع أعمالهم لكنهم غير مدركين للقيمة الفنية الحقيقية التي تركوها.

ورغم أن المسرحية تتناول سيرة ذاتية، إلا أنها جاءت في سياق مشوق وليس مجرد سرد لأحداث أو مراحل حياتية رتيبة تشعرنا بالسأم أو الملل، بل جاء التناول الدرامي لفكرة استرجاع محطات من شريط الذكريات يحكيها الملحن عن نفسه أكثر جاذبية بعيدًا عن التناول التاريخي البحت أثناء العرض.

حب مصر مكتوب على ولادها

عبّر البطل عن حبه لمصر وحسرته بسبب ابتعاده عنها بقوله “ممنوع ألمس أرضها، مصر معايا دايمًا، مشدود لها كأنها أمي، مصر معايا هنا في باريس، مصر معايا في أي حتة بروحها”.

كما تذكرني جملة على لسان البطل، “لسه ما تعبتش من النغمة الحلوة” وفيها قدر كبير من الجمال النغمي الساكن بداخله كفنان ويشعرنا بالأسى نتيجة ما نعانيه من فقدان لحلاوة النغمة في كثير من الأحيان الآن.

أيضًا، حديثه عن اثنين من أروع ما قدم للوطن “حلوة بلادي” و”الربابة” التي أبدعها في ثلاث ساعات؛ ما يؤكد قدراته اللحنية وعشقه لوطنه الذي دفعه لخروج طاقة الإبداع بهذا الثبات الذي يجعلنا نذوب في حب وطننا كلما مرت على أسماعنا.

بليغ حمدي
بليغ حمدي

وعكست أزياء الاستعراضات روح مصر الملازمة له بارتداء علم مصر، ومع مقدمة رائعته “حبيبتي يا مصر” يغلب على الديكور السمة المصرية بوضع صور الزعماء والفنانين، كما يرافق الأغنية استقبال الفنانين له أثناء عودته من الخارج بعد سنوات الغياب. وتعرضت المسرحية لبعض الأحداث المهمة في تاريخ الأمة مع إيقاظ الروح الوطنية.

الختام حالة حب في سيرة حب

جاءت عناصر العرض متكاتفة لصنع حالة من البهجة والسعادة، فالإضاءة كانت مناسبة طيلة العرض وتتسق مع الحالة الدرامية وتتماشى مع جو الاستعراضات والغناء، والاستعراضات بعضها مناسب للحدث وبعضها أكثر حداثة ولكن التصميمات بشكل عام جيدة، والأدوار تباينت فيما بين الأصوات النسائية والرجالية بتوازن.

كذلك، إيقاع العرض منضبط فتشعر كمتفرج بأنك تنفصل عن عالمك لتحيا وجدانيًا بين متعة الاستماع والمشاهدة في عالم بليغ حمدي الكبير فنيًا، لتصل للنهاية مع أغنية “حكايتي مع الزمان” في إسقاط على حكاية بليغ مع الزمان التي عايشناها على مدار وقت العرض، ويُغلق الستار لتعود إلينا موسيقى “حبيبتي يا مصر” لمرافقة تحية الفنانين الذين أمتعونا.

نتمنى المزيد من هذه الأعمال القيّمة ذات المضمون الهادف، والتي تعمل على توثيق مراحل فنية مهمة لمبدعين تركوا بصمات لا يمكن أن تُمحى من تاريخ تراثنا الزاخر.

اقرأ أيضًا: د. رانيا يحيى تكتب: باليه «زوربا اليونانى».. إبداع في عالم الموسيقى

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى