«ديجا فو».. لماذا نشعر بأن اللحظة الجديدة مألوفة؟

هل دخلت يومًا إلى مكان جديد تمامًا، ثم شعرت فجأة بأنك عشت هذه اللحظة من قبل؟ ربما تحدث أمامك محادثة عادية، أو تسمع صوتًا. أو تشم رائحة معينة، فتنتابك قناعة غريبة بأن المشهد مألوف بشكل يصعب تفسيره، رغم أنك متأكد من أنك لم تمر به سابقًا.

هذه التجربة تعرف باسم «ديجا فو» (Déjà vu)، وهي ظاهرة شائعة يختبرها كثير من الناس من حين إلى آخر، ولا سيما في سن الشباب.

إحساس بالألفة دون ذكرى واضحة

وتختلف ظاهرة ديجا فو عن الشعور الطبيعي بالألفة الناتج عن تكرار الأنشطة اليومية. فقيادة السيارة في الطريق نفسه كل يوم أو زيارة المكان ذاته باستمرار يمكن أن تولّد إحساسًا طبيعيًا بأن المشهد مألوف.

أما في حالة “ديجا فو”، فيظهر الإحساس بالألفة في موقف يبدو جديدًا تمامًا. من دون أن يتمكن الشخص من استرجاع ذكرى محددة تفسر سبب هذا الشعور.

This may contain: the word deja vu is highlighted in a dictionary

وقد تكون بعض المشاهد أو الأصوات أو الروائح محفزًا لهذه التجربة، كما قد يزداد ظهورها لدى بعض الأشخاص في فترات الإرهاق أو التوتر. ويصف الباحثون هذا الشعور أحيانًا بأنه نوع من «الألفة الزائفة»؛ إذ يشعر الدماغ بأن التجربة معروفة، رغم عدم وجود ذكرى واضحة مرتبطة بها.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

ورغم انتشار الظاهرة، لا يزال العلماء غير متأكدين من آليتها الدقيقة. إلا أن عددًا من التفسيرات العلمية يربطها بطريقة عمل مناطق الدماغ المسؤولة عن الذاكرة والتعرف على الأشياء والأماكن.

ويُعد الفص الصدغي من المناطق المهمة في هذا السياق، إذ يرتبط بعدد من الوظائف. من بينها معالجة اللغة والمشاعر واسترجاع المعلومات والتعرف على الوجوه والأماكن. كما تلعب منطقة الحُصين، الموجودة داخل الفص الصدغي، دورًا أساسيًا في عمليات تكوين الذكريات واسترجاعها.

ومن هنا ظهرت فرضية تقول إن الشعور بديجا فو قد يحدث عندما لا تتزامن بعض عمليات التعرف على الموقف واسترجاع الذاكرة بالشكل المعتاد؛ فيشعر الدماغ بالألفة قبل أن يتمكن من تحديد الذكرى التي يفترض أن تكون وراء هذا الشعور.

عندما يسبق الإحساس الذاكرة

إحدى النظريات التي تحاول تفسير ديجا فو ترتبط بتشتت الانتباه. فقد يكون الشخص موجودًا في موقف ما. لكنه لا يركز عليه بشكل كامل، ثم يعود انتباهه إليه بعد لحظات. وعندما يصبح تركيزه كاملًا، قد يبدو المشهد مألوفًا بشكل مفاجئ، وكأنه حدث سابقًا.

وهناك تفسير آخر يرتبط بذكريات لم تعد متاحة بوضوح. فقد يكون الشخص قد مر بتجربة مشابهة في الماضي. لكنه لم يعد قادرًا على تذكرها بصورة مباشرة. وعندما يواجه موقفًا يحمل بعض أوجه التشابه معها، يظهر إحساس قوي بالألفة من دون أن تظهر الذكرى الأصلية إلى الوعي.

بمعنى آخر، قد لا يكون الدماغ قد «تذكر» موقفًا سابقًا بوضوح، وإنما التقط تشابهًا أو أثرًا قديمًا لم يعد الشخص قادرًا على استرجاعه.

هل يمكن أن يكون السبب تأخرًا في معالجة المعلومات؟

ويطرح العلماء أيضًا احتمالًا يرتبط بالطريقة التي يعالج بها الجهاز العصبي المعلومات القادمة من الحواس. فعادةً تصل المعلومات الحسية إلى الدماغ وتعالج بصورة متناسقة. لكن أي اختلاف بسيط في توقيت معالجة هذه المعلومات قد يجعل الدماغ يتعامل مع جزء منها كما لو أنه وصل في وقت سابق.

This may contain: a man in a suit and hat looking at an image of two men holding clocks

ومن هذا المنظور، قد يشعر الإنسان بأن ما يراه أو يسمعه حدث بالفعل، بينما هو في الحقيقة يختبره للمرة الأولى. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود خلل مرضي، وإنما قد يكون مجرد اختلاف عابر في الطريقة التي تتم بها معالجة المعلومات.

ديجا فو والصرع.. هل هناك علاقة؟

ارتبطت ظاهرة ديجا فو أيضًا بدراسة الفص الصدغي والصرع. فبعض الأشخاص المصابين بصرع الفص الصدغي قد يختبرون شعورًا قويًا بديجا فو قبل حدوث النوبة. نتيجة اضطراب النشاط الكهربائي في مناطق من الدماغ مرتبطة بالذاكرة والإدراك.

لكن وجود تجربة ديجا فو لا يعني أن الشخص مصاب بالصرع. فهذه الظاهرة شائعة لدى الأشخاص الأصحاء أيضًا. ولا ينبغي اعتبارها بمفردها علامة على وجود مرض عصبي. وتصبح المسألة الطبية أكثر أهمية عندما تأتي هذه التجارب في سياق أعراض أخرى أو نوبات متكررة وغير معتادة.

لماذا تبدو التجربة حقيقية إلى هذا الحد؟

ربما تكمن غرابة ديجا فو في أنها تجعل الإنسان للحظات يشعر بأن المشهد أمامه معروف بكل تفاصيله. ومع ذلك، غالبًا ما يدرك الشخص في الوقت نفسه أن هذا الشعور لا يتوافق منطقيًا مع الواقع؛ فهو يعرف أنه في مكان جديد، لكنه يشعر وكأنه كان هناك من قبل.

This may contain: an old book with the word dela - vu written in white on black paper

وهنا تكمن المفارقة الدماغ يمنحنا إحساسًا قويًا بالذكرى من دون أن يقدم لنا الذكرى نفسها.

ولا يزال “ديجا فو” موضوعًا مثيرًا لاهتمام الباحثين، لأنه يفتح نافذة على الطريقة المعقدة التي يعمل بها الدماغ في تسجيل التجارب وتصنيفها واسترجاعها. فما نعتبره أحيانًا مجرد لحظة غريبة أو إحساسًا عابرًا قد يكون في الواقع نتيجة تفاعل دقيق بين الانتباه والإدراك والذاكرة.

الرابط المختصر :