د. الصادق خلف الله يكتب للجوهرة:
على مدى السنوات الخمس والتسعين الماضية، تطوّر دور المرأة في المملكة العربية السعودية تطورًا ملحوظًا، في مزيج فريد يجمع بين التقاليد والأصالة من جهة، والتحديث والانفتاح من جهة أخرى.
ومنذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كانت المرأة السعودية ركيزةً أساسيةً في بناء المجتمع؛ إذ شكّلت الدعامة الأولى للأسرة، وأسهمت في تربية الأجيال، ودعمت زوجها وأفراد أسرتها لتوفير بيئة مستقرة ومثمرة.
كما أدارت شؤون المنزل، وأسهمت في الزراعة والتجارة، وعملت على غرس القيم الإسلامية في نفوس الأبناء؛ فكانت جزءًا أصيلًا من مسيرة تطور الحضارة السعودية.
الهوية الثقافية السعودية
وعلى الرغم من أن بعض الرؤى الغربية تنظر إلى الممارسات التقليدية في المجتمع السعودي، مثل الفصل بين الجنسين في الأماكن العامة والتعليمية، على أنها تقييد لدور المرأة؛ فمن المهم إدراك أنها ممارسات شكّلت جزءًا من الهوية الثقافية السعودية، التي تقوم على الاحترام والقيم، وتشجّع المرأة على التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية وطموحاتها الشخصية والمهنية.
ومع التحولات الثقافية والانفتاح على العالم، خلال العقود الثلاثة الماضية، حققت المرأة السعودية خطوات واسعة في مختلف المجالات؛ فأصبحت طبيبةً وتاجرةً وسيدة أعمالٍ واقتصاديةً وقائدةً في مواقع صنع القرار.
إن الاعتقاد بأن المرأة السعودية متأخرة عن ركب التنمية لا يعكس واقعها الحقيقي؛ إذ استطاعت تحقيق التوازن بين التقاليد والتمكين.
وفي السنوات الأخيرة، ولا سيّما في ظل رؤية المملكة 2030، شهد دور المرأة في المملكة تحولات عميقة؛ فخلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية، وخاصةً في العقد الأخير، توسعت فرص التعليم أمام المرأة داخل المملكة وخارجها، وتزايدت مشاركتها الاقتصادية، وتعزّز وجودها في المناصب القيادية.
وقد انعكس ذلك في تبوئها مواقع مرموقة، مثل: المناصب الدبلوماسية والإدارية، وقيادتها قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والرياضة والفنون.
إصلاحات قانونية
وكان للإصلاحات القانونية والسياسات الاجتماعية الحديثة دور كبير في تعزيز حضور المرأة بسوق العمل؛ فقد أُقِرَّت مبادرات رائدة، مثل: السماح للمرأة بقيادة السيارة، وتمكينها من السفر دون الحاجة إلى مرافقة وليّ أمر، وضمان المساواة في فرص التعليم والتوظيف؛ ما أسهم في تسريع دمج المرأة في الحياة العامة وفتح آفاق جديدة أمامها.
ولا يقتصر تمكين المرأة على البعد الاجتماعي فحسب، بل يمتد أثره إلى الجانب الاقتصادي أيضًا؛ فكلما ازداد انخراط النساء في مجالات مثل التقنية والتمويل والتعليم، ارتفعت معدلات الابتكار والنمو الاقتصادي؛ فمشاركة المرأة الفاعلة تعزّز التنمية الوطنية، وتؤكد أن الكفاءة والموهبة هما الأساس، بغضّ النظر عن النوع الاجتماعي.
وفي الختام، لا بد من تجاوز الصور النمطية والمفاهيم الخاطئة عن المرأة السعودية؛ فالتقدّم اللافت الذي حققته النساء في المملكة، يجسّد مدى صلابتهنّ وقدرتهنّ على الإسهام في بناء مستقبل الوطن.
لقد أثبتت المرأة السعودية أنها ليست مجرد شريكة في التنمية، بل ركيزة أساسية في نهضة المملكة وتقدّمها.
*خبير العلاقات الدولية



















