يقال أن التغيير يحدث لجميع الناس كل يوم، وعليه يبدو أنه هو الثابت الوحيد في هذه الحياة، وأنه مهما كان التغيير يراد به الأحسن فإنه يحمل دائمًاا بعض العيوب والمضايقات حتى قد يبدو للبعض عسيرًا وصعب التحقيق، فما دواعيه، وما أسراره؟
بين مدى تقبّل الفرد لحقيقة فوائد التغيير وإرادة حصد فضائله، وبين قدرته على تحمّل إزعاج ضغط تحدياته يكمن الحافز على الاستمرار فيه حينما لا يكون هناك مفر لضمان الوصول إلى الأهداف بنجاح . هذه معادلة يتأملها كل مقبل على تغيير ما في عمله، وعلاقاته، وفي وضعه المالي ومركزه الاجتماعي. ذلك لأن دراية المرء بفحوى التغيير واعتقاده بجدواه وبناء على خلفية معرفته بحقيقة نفسه كل ذلك يؤثر مباشرة على مدى نجاحه في إحداث ذلك التغيير سواء كان في بداية تشكّل الحاجة إليه أو كان بعد مرور سنوات من حدوثه أول مرة. الذين يخافون من التغيير غالبا يعتقدون أنه صعب، لأنهم قلقون ربما بسبب احتمال غياب أي مؤشرات على عدم وجود ضمانات لتحقيق الأمان في حياتهم. ولعل هذا الخوف هو وراء شعورهم بالعجز فيجعلهم غير قادرين على المضي قدما في تطوير مسار حياتهم خوفا من الفشل.
ومن ناحية أخرى يرى الكثيرون أن الاتجاه نحو التغيير كلما استدعت الضرورة هو شيء إيجابي ويساعد على النمو . ويتميز هؤلاء بروح التفاؤل إذ دائما يعتقدون أن شيئا ما مثير في انتظارهم وسوف سيحدث بعد التغيير حتى ولو لم يشاهدوا دلالات عليه في حينه، والمفيد أن مثل هؤلاء بإمكانهم تحديد طبيعة مخاوفهم ثم يسعون للعمل على القضاء على مسبباتها. وحينها يكونون في غمرة عملية التغيير وسلاحهم طرد الأفكار التي تسلبهم القوة وتضعف إرادتهم واستبدالها. بما يبعث في النفوس التفاؤل والإيجابية بإمكانية تحقيق أكبر فائدة منه.
التغيير يصبح سهلًا بمرور الوقت
قد تتملك المرء هواجس وهو في خضم مرحلة انتقالية في حياته بأنه سيكون من الصعب عليه تقبّل أن الانتقال سيكون بسهولة من مرحلة إلى مرحلة أخرى أو أنه سيقوده إلى مستقبل أكثر اشراقا ، والحقيقة أن كل تغيير سيأتي حتما في النهاية بشيء جديد ومفيد. لكن قد يختلف توقيت الحصول على تلك الفائدة عن ما كان مقدرا له في نفس المرء، وهؤلاء الذين مروا بتجربة التغيير في حياتهم بنجاح يعرفون أنه كثير ما يحمل لهم التغيير هدية.
وقد يكافئ تغيير منحنى حياة كل فرد بأفضل حياة تمناها. ويمكن أن يقوده إلى مستقبل أفضل، وهؤلاء يبصرون في أنفسهم الاستعداد الكافي ويعلمون تمامًا أن لديهم القوة والقدرة والمرونة التي تمكنهم من اجتياز العراقيل التي يصادفها في طريقه، لقد خلق الإنسان وفي كوامنه تختزن الرغبة في التمسك بالحياة والقدرة على المداواة والطاقة التي تجعله أسعد الناس.
وتلك القوة التي تجمعت بداخله من كل تغيير قام به من قبل في حياته، والتغيير يصبح سهلا بمرور الوقت حيث تعتاد العقول. وكذا الأجساد على استعادة آخر مرة موقف التحدي المماثل، وتذكير المرء نفسه بالتحديات وبما كان من إيجابيات مع كل تغيير خاضه هو تقوية لدخيلة النفس لاجتياز كل تغيير مطلوب في المستقبل دون خوف أو تردد .
كيف تتجنب المشاعر السلبية؟
وقد تطرأ على المرء خلال محاولة إحداث تغيير في حياته بعض المشاعر السلبية تنتج عن الخوف من الفشل الذريع أو الشك أصلا في جدوى ما يفعل، والجزع أمام مشقة المرحلة، والتراجع عن نيته بسبب ضعف شخصيته وعدم تحمله تلقي عبارات اللوم والعتاب ، أو الشعور بالعار أو الذنب من خروجه عن المألوف من العادات الأصيلة والتقاليد الراسخة.
كما يمكنه مع ذلك استبدال ما يصادفه من الخوف بالبحث عن الأمل وسيجده في ثقته بنفسه وفي روحه وفي الحياة أو في يقينه من أن تلك الظروف ستتغير، والتأكد من أن الأمور ستحل نفسها بنفسها وستصبح أوضح. وإذ من الطبيعي أن يتطلع المرء في بلوغ نتيجة التغيير في أسرع وقت ممكن فإنه سيكون بحاجة إلى ضبط النفس وإلى قدر كبير من الصبر وقوة التحمل والاجتهاد في البحث عن إجابة صائبة لحقيقة ما يفعل لتخفيف الضغط على نفسه. وبذلك يسهل عليه استبدال الشعور بالذنب الذي قد يدق قلبه بالمسامحة. وكذلك استبدال الشعور بالخجل مما يحدث في حياته بالفخر باختياراته وقراراته.
القدرة على خلق أفكار مضيئة
المتفق عليه أنه كلما أسرع المرء في تقبّل التغيير قلّت معاناته لأن تقبّله يعني رضاه بظروف معاشه ونشاطه وملابساتها في ظل تطور الحياة دون صراع أو جدال، أو حاجة للشرح والسؤال. أما مقاومته الشعور بضرورة التغيير فمعناه محاولة التجديف ضد التيار وهذا يجعل حياته أصعب.
إن مرور الوقت يمكن أن يمنح القدرة على التأقلم مع الأساليب الجديدة وبالتالي التكيف مع ظروف العيش. ومن ذلك أنه عندما يشعر أنه عالق في مشكلة ما فعليه الاجتهاد في أفكار إيجابية جديدة والتواصل بصدق مع مشاعره بالتحدث بلغة مختلفة تساعده على الخروج سريعا من المشكلة وذلك بالتحكم فيما يدور بداخله، وبأن يكون مدركًا للغة المفعمة بالقوة والأمل في وصف التغيير المنشود أو الموجود في حياته والاستغناء عن المعاني البائسة التي تجعله ضعيفا.
كما عليه أن يراقب أنماط تفكيره والتحكم في الطريقة التي يفكر بها ليستطيع السيطرة على كل ما يدور بعقله فتتعزز لديه الروح المعنوية والقدرة على خلق أفكار مضيئة.
التواصل الروحي
التواصل مع الجانب الروحي بالإنصات إلى نداء الروح العميق يبعث الشعور بالاستقرار والارتياح إلى قوة دعم كبير نحو التوجيه الحكيم للاقتراحات السديدة. حيث الهدوء والحكمة والأفكار.
فقد يفهم المرء أن بعض الأقوال ما هي رخصا للسلبية والأنانية مثل ” وعليكم أنفسكم.. ” وأنه ما دام هو بخير ومرتاح البال فلا مشكلة إن تغير المجتمع وتأثر وسادته السلبيات العديدة لأن الأهم لديه أن لا شيء يعكر عليه حياته.
ولا بد للمرء أن يراجع تفكيره وأن يعيد إدراك عمق المعاني للتفريق الدقيق بينها فذلك هو السبيل لتغيير ما بنفسه من قصور . فالثابت أن الخير يعم وأن الشر يؤثر في الناس ، وعندما يريد الإنسان أن يغير ما حوله فهو في الحقيقة مستفيد من هذا التغيير.
وعندما يقول المولى – عز وجل-: “عليكم أنفسكم”؛ فكأن نفوس الناس حوله هي نفسه ويكون المعنى أن عليه نفسه والآخرين. وتغيير المجتمع لا يتم إلا من خلال إصلاح النفس أولًا. فلا يجوز أن ينهى أحدهم الناس عن أمر يأتيه خفية أو يقوم به علنًا؛ فتغيير السلوك ليس هينا لأنه يتعلق بتغيير عادة انسان؛ ومن يقوم بمحاولة التأثير لتغيير عادات الناس عليه أولًا أن يتحلى بهذا الخلق ليكون قدوة حسنة. فلا يكون من جهة أنانيًا يكتفي برضاه عن نفسه فقط ، ومن جهة أخرى لا يجوز أن يكتفي بأن يبقى جسر موعظة يعبر عليه الناس إلى الجنة وينسى نفسه فيلقى به في جهنم .
ولا بد أن يكون لكل فرد دافع قوي للنجاح فهذا يجعله يتمسك بالحياة وبذلك يستطيع أن يؤدي دوره في المجتمع بكل الثقة في قدرته على تحقيق النجاح.
ومن أجل ذلك سيكون من الأفضل له أن يتخلى تمامًا عما لا يجدي نفعًا. فيجب أن يعلم أنه لا فائدة من التعلق بخطة لم تثمر رغم مجهوداته في تكرار المحاولة، وعليه بالتفكير والبحث عن البديل الذي يوصله إلى هدفه بدل أن يستسلم للإحباط.
فالتغيير الإيجابي يتطلب قدرًا من الشجاعة والسلام الداخلي. وحينها سيجد الإنسان الناس حوله متحمسين له ومعززين له .
اكتشاف حقيقة النفس
أن تتجاوب نفس كل إنسان مع نداء التغيير الذي يتشكل في دخيلته بإرادته الحقة؛ فإن معنى ذلك أن عليه أن يبدأ أولى الخطوات في نفسه أولًا التي ستمهد له طريق التغيير بعد ذلك فهذا يجعله يقدم عليه بشكل أسهل للأفضل.
وهذا التغيير يتم التمهيد له باكتشاف حقيقة النفس؛ فعلى الشخص مثلًا تحديد طريقة تمضية الوقت عندما يكون وحيدًا كأن يشاهد برامج التلفزيون أو يجوب مواقع الأنترنت، وله الاختيار أن يكون كذلك أو أن يبقى أسير أساليبه القديمة التي كثيرا ما تشعره بالضيق والملل وتبعده عن التواصل مع العالم الخارجي.
كما عليه أن ينصت إلى نداء جسده للراحة بعد إجهاد في العمل وأن يعير صحته الاهتمام الكافي بالكف عن التدخين.وأن يقتصد في إنفاقه للمال كأن يخصص مبلغًا ينفقه في أشياء تلبي حاجته الروحية سواء لشخصه أو لمنزله، وعليه باتباع البساطة في كل شيء لأنها تثير الشعور بالرضا والمتعة.
وسيكون كافيًا للمرء أن ينظر إليه الناس نظرة أجمل. والأهم أن يكتشف الإنسان الطريقة المثلى لمراجعة وتقييم بعض علاقاته المضطربة في حياته والتفكير فيمن كانوا يشجعونه للتقدم وفيمن كانوا يدفعونه للفشل والتأخر هنا سيصبح التغيير أكثر من ضروري بل واجبا .















