في ممرات العيادات النفسية، كثيرًا ما نصادف شكوى غريبة في ظاهرها، عميقة في أبعادها. حيث يتساءل البعض بضيق: “لماذا ينتابني الشعور بالملل رغم أن حياتي مستقرة وكل النعم تحيط بي؟”.
هذا التساؤل ليس مجرد رفاهية؛ بل هو مؤشر نفسي خطير يحلله الدكتور جمال فرويز؛ استشاري الطب النفسي في حديث خاص لمجلة الجوهرة. موضحًا أن استمرار النعم قد يصيب أنواعًا معينة من الشخصيات، وعلى رأسها “الشخصية العصابية”، بحالة من الضيق والملل الشديد الذي ينعكس سلبًا على جودة حياتهم.

الشخصية العصابية
يرى الدكتور جمال فرويز أن الشخصية العصابية بطبيعتها تميل إلى القلق الدائم والتحفز، وعندما تمر هذه الشخصية بمرحلة من الاستقرار الطويل أو “توالي النعم”، فإنها تصطدم بما يسمى “الفراغ الوقتي أو العاطفي“.
هذا الفراغ يمثل تهديدًا للعصابي؛ لأنه يعجز عن التعايش مع السكون؛ فدماغه مبرمج على البحث عن “مثيرات” للتعامل معها. وفي غياب التحديات الحقيقية، يبدأ هذا الشخص في الشعور بالملل الذي لا يلبث أن يتحول إلى توتر واكتئاب.
ويضيف الدكتور “فرويز” في تحليله أن هذه الشخصيات تتبنى لا شعوريًا إستراتيجية غريبة، وهي اعتبار المشاكل “خطة إشغال”. فبالنسبة لهم، وجود أزمة أو مشكلة قائمة يمنحهم هدفًا للتركيز عليه. كما يملأ وقتهم بالضجيج الذي يهربون فيه من مواجهة ذواتهم أو مواجهة الفراغ الذي ينهش أرواحهم.
ومن هنا، قد يختلق الشخص العصابي صراعات مع المحيطين به أو يضخم أخطاءً بسيطة، ليس رغبة في الأذى. بل هربًا من “رتابة النعم” التي لا يجد في نفسه القدرة على استثمارها أو الاستمتاع بها.
تأثيرات النمط السلوكي
هذا النمط السلوكي، كما يوضح د. فرويز، يؤدي إلى نتائج سلبية مدمرة؛ فالشخص لا يستنزف طاقته فحسب؛ بل يفسد علاقته بمن حوله ويدمر استقراره بيده.
إن الحل لا يكمن في انتظار “المشكلة القادمة” لتشغلنا؛ بل في إعادة تدريب النفس على تقبل الهدوء، وملء الفراغات الوقتية والعاطفية باهتمامات حقيقية ومثمرة. ذلك بدلًا من جعل الأزمات هي المحرك الوحيد للحياة.
إن النعمة الحقيقية ليست فقط في امتلاكها؛ بل في امتلاك الصحة النفسية التي تجعلنا قادرين على الشعور بها والامتنان لوجودها دون قلق أو ملل.















