في ظل سباق الحياة الحديثة وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت ظاهرة ثقافية عالمية جديدة مثيرة للجدل بين “جيل زد” (Gen Z)، وهي ممارسة “تعفن السرير” (Bed Rotting).
ورغم غرابة المصطلح؛ إلا أن معناه بسيط؛ “تمضية ساعات طويلة في السرير ليس للنوم. بل للانشغال بأنشطة خفيفة ومريحة، مثل تصفح الهاتف، مشاهدة الأفلام، الاستماع إلى الموسيقى، أو تناول وجبات سريعة”.
ترند عالمي
بدأ هذا السلوك كممارسة فردية وسرعان ما تحول إلى “ترند” عالمي، غذته منصات مثل “تيك توك”؛ إذ يتفاخر المستخدمون بروتينهم اليومي هذا باعتباره شكلًا جديدًا من أشكال العناية الذاتية. بالنسبة للكثيرين، غدا السرير ملاذًا آمنًا يتيح لهم التوقف مؤقتاً عن ضغوط المجتمع الذي يمجد الإنتاجية المستمرة؛ ليصبح “تعفن السرير” رسالة صامتة تقول: “أنا أستحق أن أرتاح”.
من سلوك فردي إلى ظاهرة ثقافية رقمية
بحسب “parents” لم يكن مصطلح “تعفن السرير” حاضرًا في لغتنا اليومية من قبل. لكن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا محوريًا في ترسيخه وتجميله.
وعلى “تيك توك”، يتم توثيق هذا الروتين بمقاطع قصيرة تُعرض بإضاءة ناعمة وموسيقى هادئة. ما يمنحها جاذبية بصرية ويحولها من سلوك كسول محتمل إلى تجربة مرغوبة.
لم يقتصر الأمر على المشاركة؛ بل تم الترويج له كنوع من “الرفاهية البسيطة” أو “إعادة شحن الطاقة”؛ ما غيّر النظرة إليه.
ويشير خبراء علم النفس إلى أن الظاهرة تلقى رواجًا كبيرًا بين جيل “زد” تحديدًا، الذي يعاني من إرهاق وضغوط متواصلة سواء بسبب الدراسة أو العمل أو التوقعات الاجتماعية المتزايدة. ويرى أنصار الظاهرة أنها وسيلة لتخفيف الضغط النفسي وتمرد صغير على ثقافة الإرهاق.

جدل التوازن.. راحة أم هروب؟
يثير “تعفن السرير” جدلًا واسعًا حول ما إذا كان يمثل شكلًا صحيًا من العناية الذاتية أم مجرد وسيلة للهروب من الواقع وتجنب المسؤوليات.
يرى مؤيدون، مثل بعض أخصائيي علم النفس، أن تخصيص وقت قصير في السرير قد يساعد بالفعل على تهدئة الجسد وتخفيف التوتر لدى الأفراد المرهقين من التوقعات الاجتماعية.
لكن الأصوات المحذرة تظهر قلقًا من تحول هذه الراحة إلى فخ خفي يعزز العزلة. ويحذر خبراء الطب النفسي من أن “تعفّن السرير” قد يصبح إشكالية إذا استمر لأكثر من يوم أو يومين؛ إذ قد يكون علامة على الاكتئاب أو مشاكل نفسية أعمق، خصوصًا إذا أصبح السرير الملاذ الوحيد الذي يمنح الفرد الإحساس بالأمان.
الانعكاسات المحتملة على الصحة
رغم الشعور المؤقت بالراحة؛ فإن الإفراط في هذه الممارسة قد يكون له انعكاسات سلبية على الصحة الجسدية والنفسية:
- صحيًا: قضاء ساعات طويلة بلا حركة قد يسبب آلام الظهر، وضعف العضلات، وزيادة الوزن. كما أن تناول الوجبات السريعة والغنية بالدهون والسكريات داخل السرير يرسخ عادات غذائية غير صحية.
- نفسيًا: قد يعزز “تعفن السرير” مشاعر العزلة والإحباط إذا تحول إلى عادة دائمة بدلاً من كونه استراحة مؤقتة.

تحقيق التوازن والاستمتاع الآمن
لكي يتمكن الأفراد من الاستمتاع بفوائد الراحة دون الوقوع في فخ العادات غير الصحية، يوصي الخبراء بدمج التوازن عبر:
- تحديد وقت محدد: تخصيص بضع ساعات محددة في عطلة نهاية الأسبوع كحد أقصى للراحة في السرير، بدلًا من جعلها عادة يومية أو تستغرق أيامًا متواصلة.
- دمج الحركة: القيام بتمارين خفيفة أو التمدد والتنفس العميق أثناء التواجد في السرير لتجنب الخمول الجسدي.
- تنويع الأنشطة: استخدام الوقت للقراءة أو الكتابة الإبداعية بدلاً من التركيز فقط على تصفح الهاتف.
- التفاعل الاجتماعي: تجنب العزلة التامة عبر التواصل مع الأصدقاء أو العائلة. ولو عبر مكالمة هاتفية.
- مراقبة الصحة النفسية: استشارة مختص إذا ارتبطت الرغبة في البقاء في السرير بمشاعر الحزن أو القلق المستمرة.
في الختام، يعد “تعفن السرير” انعكاسًا صريحًا لحاجتنا الإنسانية للراحة في عالم لا يتوقف عن المطالبة بالإنتاج، لكنه في الوقت ذاته تذكير بأهمية إيجاد التوازن الصحي بين الراحة والانخراط في الحياة.



















