تأثير الكتابة في تطور الحضارات القديمة ونشأة التاريخ

مر تطور المجتمع البشري عبر تاريخه بظروف بيئية ومجتمعية مختلفة كان بعضها عوامل مباشره في تطوره وازدهاره وبعضها الآخر أسباب مؤثرة في تخلفه وزواله. وتشهد على أحداثه أدلة علم الآثار من وثائق مادية مكتوبة ومحفورة ومنحوتة ومرسومة. تدل على أن إجادة فن الكتابة وإتقان العلوم ومهارات تأريخ الوقائع بدأت جميعها في نفس الوقت تقريبًا وشكلت فيما بينها مجتمع الحضارة منذ آلاف السنين.

سبيل بروز معالم الحضارات

كان لا بد كي تبرز معالم أي حضارة إنسانية في الكون أن تنبع من نشاط بشري منظم في إطار مجتمعي مستقر. توافرت له عدة عوامل لتطوره وأولها الاستقرار السكاني في مستوطنات وقرى أمكن تصنيفها فيما بعد كمدن وبلدان. ثم تمتعه بسبل العيش مثل الماء والغذاء. وانصراف أفراده إلى تعمير الأرض تحت سلطة قوية قادرة على فرض الحماية والأمن.

وبطبيعة الأشياء أدى الاستقرار ورغد العيش والأمن إلى مزيد من التكاثر وظهور الحاجة إلى التوسع والتمدد. ومعها اشتدت الحاجة أيضًا إلى التحكم الخدمة المدنية وتنظيم العلاقات بين الأفراد فكانت الكتابة هي الوسيلة لذلك. وما معرفتنا عمّا حدث قبل التاريخ من بقايا الأشياء إلا دلائل مادية على صدق الحديث، ووثائق مؤكدة استند إليها التاريخ.

نشوء حضارة السند

نشأ اختلاف في الرأي بشأن ظروف نشوء حضارة نهر السند أول حضارة للهند منذ 2500 سنة قبل الميلاد. إن كان هذا النشوء نتيجة الاتصال مع حضارة ما بين النهرين في العراق أم أنها نتيجة تطور تلقائي محلي. بعدما أوشكت القرى في العصر الحجري الحديث على طول ضفتي نهر السند على تشكيل حضارة موحدة ومتطورة توسعت وعاشت باتساق مزدهر لحوالي 1000 عام.

حضارة بحر إيجة

من أبرز الحضارات التي تلت حضارة نهر السند هي حضارة بحر إيجة المتميزة المطلة ذات الخلجان والجزر الصغيرة والممرات المائية الوعرة بمناطق اليونان ذات الطبيعة الهادئة التي جعلتها مناطق مثالية للتجارة البحرية.

وتمثل حضارة بحر إيجة نقطة الانطلاق التقليدية لبعث الحيوية في حوض البحر الأبيض المتوسط ولكنها انتهت بصورة غير مفسرة بعدما نشأت فجأة منذ1200 عما قبل الميلاد وبعد حوالي 200 سنة استطاع أقوام من الفينيقيين من ركوب البحر وممارسة التجارة على نطاق واسع انطلاقًا من قاعدته في لبنان نحو مناطق شمال إفريقيا والمحيط الأطلسي ثم تبعه الإغريق والرومان فعج البحر الأبيض المتوسط بتصادم الحضارات بفضل ما تم العثور عليه من خرائط مرسومة ووثائق مكتوبة تبين الطبيعة الجغرافية لمختلف المناطق وتاريخ شعوبها وتِؤكد ثرواتها.

استثنائية الحضارة الصينية

أما الحضارة الصينية (1600 سنة قبل الميلاد) فتعتبر من أطول الحضارات المتجانسة في تاريخ البشرية. انفردت بتميزها العقائدي المنعكس على الموروث من ثقافة شعوبها وعاداتهم وتقاليدهم الخاصة. وتدل أثارهم من تحف وأواني نحاسية مستوى الاتقان السريع. كما أظهرت نصوصها المكتوبة حروفًا تشابه كثيرًا الحروف المستعملة حاليًا.

 

ظروف بروز الحضارة الفرعونية القديمة

تشابهت الظروف البيئية لنشأة الحضارة المصرية الفرعونية القديمة وحضارة ما بين النهرين في العراق من حيث وجود الأنهار العظيمة. حيث اتخذ السومريون موقعا جنوب العراق بين أحضان نهري دجلة والفرات في منطقة سميت بالهلال الخصيب.

في حين نشأت وتطورت الحضارة المصرية على طول ضفتي وادي النيل الذي شكل مصدرًا للماء ولري الحقول وطريق مائيًا للتنقل. فتركت أثارًا هائلة شاهدة على ما بلغته شعوب هذه الحضارة من رقي إنساني وثقافي وتطور في علوم الكيمياء والطب والفلك والفنون بمختلف ألوانها.

ولا تزال الأعمدة والجدران الضخمة والمقابر وأوراق البردي تحمل خزائن هذه الحضارة مكتوبة ومدونة بالكتابة الهيروغليفية في وثائق ذات طبيعة رسمية تعود إلى سبعة آلاف عام قبل الميلاد. وهو نفسه الدور الذي لعبته الأنهار في حضارات أخرى مبكرة كحضارة شمال الصين وحضارة السند.

بدايات الحضارة الأمريكية

في حوالي 1200 سنة قبل الميلاد ظهرت بدايات الحضارة الأمريكية بمنطقتي أولميكس في أمريكا اللاتينية، وتشافيين في جبال الإنديز. حيث تنامت مدن كبيرة اكتظت بالمنحوتات والنقوش، وتعاقبت عليها حضارات أخرى شهدت آثارهم على ما عرفته هذه المنطقة من صراعات حادة توسعية، وأكدت على ما شهدته من تدمير.

هيمنة الحضارات الإقليمية

تميزت الحضارات الإقليمية (من 400 إلى 1500 سنة بعد الميلاد) بهيمنة اليونان وروما غربًا. ونجاحهما في الانتقال من الإمبراطورية الوثنية إلى الإمبراطورية المسيحية. وبسيطرة الصين شرقًا وبقوة الحضارات المنفردة في أمريكا الوسطى والجنوبية.

وحرصت كل حضارة متعاقبة على إحداث تغيير وتنويع على التقاليد المحلية التي تكون قد تعرفت على طبيعتها من خلال الآثار المكتوبة. وفي بعض الأحيان يحدث أن تولد من رحم هذه الحضارات ثورة ينتج عنها انفتاح نحو ثقافة أخرى جديدة.

ومنها تأسيس الخلافة الإسلامية في دمشق وبغداد وإنشاء حضارات إسلامية متميزة على امتداد مناطق شمال إفريقيا إلى شمال الهند. التي تركت خزائن ثقافية مكتوبة وثروة هائلة من العلوم والمعارف المدونة. أسست كلها لنظم الحكم وطبيعة العلاقات بين الأفراد وحددت الحقوق والواجبات. ورسمت الطريق لتطور المجتمعات ورقي الحضارات بعدما حددت بداية التاريخ بالهجرة النبوية الشريفة.

تتبع بصمات التاريخ هي فطرة الإنسان السليمة

إن اهتمام الإنسان بالآثار القديمة وشغفه بتتبع مصادرها وتاريخها هو اهتمام طبيعي لمعرفة أصوله وتاريخ آبائه وأجداده. وهو ميل فطري جبل عليه وقد تطورت هذه الحاجة الفطرية من اعتزاز الإنسان بتاريخه إلى إنشاء مؤسسات تقوم بمهمة حفظ الآثار وحراستها.

وتأسيس علم مستقل وهو علم الآثار يهتم بكل ما يتعلق بالمآثر التاريخية، والشواهد المتعددة، وهكذا تثبت فرضية أن بداية أي نهضة حضارية تكون مسبوقة بدراسة معطيات الحضارات السابقة وتفحص المواقع الأثرية والمناطق التراثية التي تشكل مستوطنًا بشريًا في بيئة معترف بقيمتها من الناحية الأثرية أو المعمارية أو التاريخية أو الجمالية أو الاجتماعية والثقافية.

ومنها المعالم الأثرية والتاريخية أو المدن التاريخية والأحياء الحضرية القديمة وبهذا يمكننا أن نستكمل في أذهاننا صورة عن  تطور الحضارات القديمة من خلال معالمها السابقة.

الرابط المختصر :