ثقافة

انقطاعات السرد في رواية «ملك الهند»

يمكن أن تُقرأ رواية «ملك الهند» للكاتب والروائي جبور الدويهي؛ والتي وصلت للقائمة القصير لجائزة البوكر العربية لهذا العام، على أكثر من منحى، ويمكن موضعتها في أكثر من سياق؛ إذ يمكن النظر إليها باعتبارها رواية بوليسية، وربما رواية اجتماعية أيضًا.

وتتناول الرواية، قضية التنازع على الميراث بين عائلة آل مبارك، ناهيك عن أنه من الممكن وضعها ضمن قائمة الأدب الوجودي؛ وذلك بالنظر إلى مأساة زكريا إبراهيم؛ ذاك الذي طاف بلدان العالم ثم عاد، رغم تحذيرات أخته «مرتا»، ليعثر لروحه على السلام الأخير.

وبالإضافة إلى ذلك كله، فهي رواية تتناول أو تتطرق من زاوية ما إلى تأثير الأسطورة على حياة الناس وواقعهم، اعتبر في ذلك مثلًا، بحكاية الجدة «فلومينا» التي عادت من أمريكا ثم أسست بيتًا لولدها «جبرائيل» _ جد زكريا إبراهيم بطل الرواية على أي حال _ وأسرّت له، آخر حياتها، أنها دفنت في أساسات هذا البيت الكثير من الذهب.

اقرأ أيضًا: رواية «التانكي».. عن الغربة وضياع الوطن

وعلى الرغم من اختراعها هذه الكذبة، وصناعتها هذه الأسطورة، فإنها سببت صدعًا كبيرًا بين أبناء العائلة كلهم، ووقع زكريا إبراهيم؛ ذاك المتنور، الذي أدرك كذب الجدة «فلومينا»، فاستهان بالحكاية كلها، وبذاك العداء الذي سببته بين عائلة آل مبارك.

حين كان ينظر «زكريا إبراهيم» إلى صورة هذه الجدة التي ظلت معلقة على الحائط لسنوات، كان يمكنك أن تلحظ، من خلال سرد جبور الدويهي، أن ثمة صراعًا محمومًا بين التنوير والأسطورة، بين هذه الولد المتنور وبين هذه السيدة التي صنعت الأسطورة وسهرت على حمايتها ونقلها جيلًا بعد جيل.

انقطاعات السرد

كانت محاولة الرواية الوصول إلى الكمال هي ذاتها التي أوقعتها في فخ الانقطاعات السردية؛ فللوهلة الأولى تتصور، كقارئ، أن حادثة مقتل زكريا إبراهيم هي الأساس الذي تقوم عليه الرواية، ثم تفاجئ بالكثير من الأمور والقضايا التي دخلت على الخط، وابعدتنا عن هذه القضية.

ففي أحد مواضع الرواية ترانا ندور دورة كاملة على «فلومينا»، وقصة سفرها إلى أمريكا وعودتها من هناك، وكل العائلة، قبل أن نعود من جديد إلى زكريا إبراهيم ذاك الذي قُتل غدرًا فور عودته من رحلة هجرة طويلة في الكثير من البلدان.

وعلى أي حال، كان من الممكن أن تصل الرواية إلى مرحلة الكمال، أو تكون قاب قوسين من ذلك، لو هي ركزت على بعد واحد من هذه الأبعاد الكثيرة التي اقتربت منها، خاصة وأن أزمة «زكريا مبارك» الوجودية يمكن أن تكون خيطًا سرديًا ينتج رواية مكتملة الأركان.

لوحة عازف الكمان الأزرق

ليست قصة الذهب المدفون هي وحدها الأسطورة/ الخديعة الموجودة في هذه الرواية، ولكن لوحة مارك شاغال الشهيرة «حامل الكمان الأزرق» والمزورة أيضًا واحدة من الأمور التي أشار إليها المؤلف لكي يظهر أثر استبداد الخدع والأساطير.

فـ «زكريا إبراهيم» سرق هذه اللوحة من إحدى عشيقاته الكثيرات، والتي أوهمته أن مارك شاغال؛ نفسه وقّع لها هذه اللوحة، وكان قصدها من ذلك أن تختبر «زكريا إبراهيم» ومدى حرصه عليها، لكنه وقع في الفخ، بل وأمست هذه الرواية «المزورة» أحد الاحتمالات التي قد يكون إبراهيم قُتل بسببها، إن كنت قتل بالفعل ولم ينتحر.

وعلى المستوى النظر إلى الرواية باعتبارها تحقيقًا في حادث قتل أو رواية بوليسية، بالمعنى الأعم، فيمكن القول إن السرد، على هذا المستوى، كان رائقًا وبديعًا، لاسيما وأن الخيوط كثيرة، واحتمالات قتل «زكريا إبراهيم» كثيرة جدًا، منها احتمال قتله هو نفسه.

اقرأ أيضًا: «الجائزة العالمية للرواية العربية» تعلن إلغاء حفل «البوكر»

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق