لا يستقيم سلام إن غاب الأمل، ولا تبنى تنمية إذا غابت الثقة، ولا يرتجى المستقبل لمن لا يؤمن به. في عالمٍ يرزح تحت وطأة اضطرابٍ متنامٍ، وانقساماتٍ اجتماعيةٍ آخذةٍ في الاتساع، وتحدياتٍ اقتصاديةٍ وبيئيةٍ لا تفتأ تلقي بثقلها. تظل البشرية توّاقة إلى قِيَمٍ تجمعها ولا تفرّقها.
وبين هذه القيم، يبرز الأمل قوةً بالغة الأثر، نابضةً في وجدان الجميع على اختلاف مشاربهم. وفي هذا السياق، أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 12 يوليو يومًا دوليًا للأمل. يحتفى فيه بهذه القيمة بوصفها بوصلةً توجّه الأفراد والمجتمعات والدول نحو مستقبلٍ أكثر إشراقًا.
تستند هذه المبادرة إلى القيم الخالدة التي ينطوي عليها ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان من سلام وكرامة وتسامح وتقدّم مشترك.
وهي بذلك امتداد لمبادرات سابقة، من قبيل اليوم الدولي للضمير، وتسعى إلى إبراز الدور الجوهري للأمل في تعزيز العافية النفسية. والاحترام المتبادل، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية المستدامة.

وإذ يعلَن يوم الأمل الدولي، فإن الأمر يتجاوز مجرد الرمزية، ليغدو نداءً عالميًا يدعو إلى العمل. فهو يحث الدول الأعضاء، والمنظمات الإقليمية والدولية، والمجتمع المدني، والأفراد، على تهيئة بيئات يزدهر فيها الأمل.
وقد تتجلّى هذه الجهود في التثقيف العام، وحملات التوعية، والتواصل المجتمعي، ومبادرات اللطف، وتعزيز مسارات الصفح والمصالحة. وبتبنّي هذه القيم، تنشأ مجتمعات يسودها الإدماج والتعاطف والقدرة على التكيّف.
إن هذا اليوم تذكرة بأن الأمل، حتى في أحلك الأوقات، يظل قوة قادرة على التحوّل والتغيير. فهو يجسّر الفجوات، ويحرّك عجلة التقدّم، ويبعث النفس الإنسانية من سباتها.
واليوم هو دعوة لنا جميعًا إلى أن نتوقّف برهة، نتأمّل، ونجدد التزامنا بمستقبلٍ لا يقوم على اليأس والانقسام. بل على إنسانيتنا المشتركة والإيمان الراسخ بغدٍ أفضل.
أسس علمية، وآثار صحية، وسبل للقياس
يعرف عالم النفس سي. آر. سنايدر الأمل بوصفه اتحادًا بين الدافعية الذاتية والتفكير في المسارات الممكنة. أي الإرادة للسعي إلى تحقيق الأهداف والقدرة المتصوَّرة على بلوغها.
وتظهر أبحاث التصوير العصبي أنه ينشّط مراكز المكافأة والتحفيز في الدماغ. مثل المنطقة السقيفية البطنية، وهي بدورها مرتبطة بالتخفيف من أعراض الاكتئاب.

أما منظمة الصحة العالمية فتعرّف الصحة النفسية بأنها القدرة على التعامل مع الضغوط، والعمل بفاعلية، والمساهمة في المجتمع. وتثبت البحوث باستمرار أن ارتفاع مستوى الأمل يرتبط بانخفاض معدلات الاكتئاب والقلق والضغوط الناتجة عن الصدمات.
وهذه الفوائد النفسية تجد صداها في الجوانب البدنية أيضًا؛ إذ تشير الدراسات إلى أن مرضى السرطان الذين يتحلّون بأمل أعلى يحرزون نسب بقاءٍ أفضل. ويلتزمون بالخطة العلاجية على نحوٍ أشد.
ويرتبط في مقتبل العمر بنتائج صحية أفضل على المدى الطويل. ويؤدي استمراره إلى انخفاض في عدد الزيارات الطارئة للمستشفيات وانخفاض معدل الوفيات المبكرة.
إلى جانب كونه تجربة إنسانية، فإن الأمل قابل للقياس. ومقياسه للبالغين، الذي طوّره سنايدر، يعد أداةً معتمدةً تقيس بعدي الدافعية والمسارات بشكل منفصل.
واستنادًا إلى هذا الأساس، تساند الأمم المتحدة تطوير مؤشر الأمل الطوعي ليكون مرشدًا في تتبّع التقدّم على المستويَين الوطني والعالمي.

أثر الأمل في الصحة الجسدية والنفسية
الأمل ركيزة للتنمية المستدامة
يضطلع الأمل بدورٍ رئيس في الدفع قدمًا بأهداف التنمية المستدامة :
- الصحة – يعزز العافية النفسية ويقوّي الالتزام بالعلاج.
- التعليم – بفضله، تتنامى دافعية الطلاب وتتسع آفاقهم الأكاديمية.
- الإدماج الاقتصادي – يغذّي الطموح ويشجّع الادخار ويحرّك ريادة الأعمال.
- العمل المناخي – يرسّخ الالتزام الطويل الأمد تجاه الجهود البيئية.
وتظهر البرامج الإنمائية التي تدمج استراتيجيات بناءه —مثل الإرشاد والتوجيه— نتائج محسّنة للأفراد الذين يكابدون الفقر.

الأمل بوصفه محرّكًا لأهداف التنمية المستدامة
يسهم في بناء السلام، بما يتيحه من إرساء الثقة، وتحفيز الحوار بين الفئات المختلفة، وتمكين الشباب ليكونوا قادةً للتغيير، من خلال:
- بدء المسار بتحفيز الثقة والحوار.
- وتعزيز التماسك الاجتماعي والمصالحة.
ومن تفاعل هذين الركنين تولّد أرضية صلبة لتحقيق السلام الدائم.
الصالح العام
يشكّل قوةً فاعلة في شفاء الأفراد وتعافي المجتمعات، فهو يعزّز الثقة الاجتماعية. ويشجّع المشاركة المدنية، ويقلّص حدّة الاستقطاب، ويقوّي الإحساس بالهوية المشتركة.
وهذه السمات تعضد الإدماج والسلام والتقدّم المستدام—وهي من لبّ الصالح العام وجوهر إحلال السلام والعدل والمؤسسات القوية. ويذكّرنا هذا اليوم بأنه ليس فضيلة فردية فحسب، بل مسؤولية جماعية أيضًا.

سبل إحياء اليوم
- التعليم والتوعية: تنظيم ندوات، أو أنشطة مدرسية، أو حملات عامة لتعزيز الفهم وإذكاء الأمل.
- الانخراط المجتمعي: إطلاق مبادرات من قبيل مراكز الأمل، وبرامج التوجيه، أو مجموعات الدعم، لتعزيز التواصل والمرونة.
- التعبير الثقافي: إقامة معارض فنية، أو عروض أدائية، أو مناسبات حكاية القصص تحتفي بالقيم المشتركة والتجارب المتنوعة.
- الخدمة والمصالحة: المشاركة في تجمعات بين أتباع الأديان، أو حوارات السلام، أو أعمال تطوعية تبني الجسور وتضمد الانقسامات.

















