عندما يسود أسلوب الوعي والإقناع ويستند الموقف إلى قوة الحجة، وتعتمد الرؤية على الطرح الموضوعي. حينها تتأكد فرضية السيطرة الفكرية على السلوك وليست غلبة النمط السلوكي في توجيه التفكير بحثا عن الحقيقة .
الوعي ـ الحقيقة ـ التاريخ
حين يبنى الوعي ويتشكل على أسس من الحقيقة يكتب القدر تاريخا يلامس كل بيت لماضٍ يؤكد الهوية. ويرسخ الصالة فيكتشف المعنى الحقيقي للحياة. إنه اليقين بأن الإد يحقق المستحيل حتى عندما تكون الأبواب موصده وكل الظروف صعبة .
وعندما تصير المؤشرات كلها توحي بعكس الأماني وخلاف الآمال، فإنه ليس مستحيلًا أن يتم إصلاح كل شيء. ليكتب الواقع تاريخًا جديدًا، وحينها يصبح اليقين المبني على الوعي هو سر الرضا بكل شيء.
جدلية الوعي و اليقين
ليس الوعي وحده قادرا على إثبات الحقيقة ما لم يرافقه جهد عملي مشفوع بأمل كبير وإيمان راسخ بقدرته، وليس إدراك المعنى الخالد بسر اليقين كافيا لصنع التاريخ ما لم يرافقه وعي عميق يشعل الطريق أمامه برؤية واضحة ويبرره، وهنا يحتل الوعي مكانته علي درب اليقين.
يتعلق الوعي أحيانا بكم من المعلومات في النفس يرتبط حجمها ونوعها بالدرجة التي بلغها. وحين تطمئن النفس لصحتها تستقر في القلب فيحدث اليقين الذي يؤكد صحة التأهيل لتحقيق الثبات في الرأي والموقف.
وإذ يعد الإدراك بالجهل نقطة بداية للبحث عن حقيقة المعرفة، معرفة النفس لذاتها والمكان والأشخاص حولها ومعرفة طبيعة ومستوى العلاقة بالمحيط. فإن الشك هو طريق اليقين، ويصير الوعي يمهد الطريق لليقين.
ويصبح اليقين بدوره هو ذروة الوعي في معرفة بالذات، لأنه هو العلم الكامل والإيمان الكامل المتلازم مع الثبات الذي كلما تمكن من القلب كان دافعًا لإحياءه والدراية بالوجود الداخلي والخارجي وبالعمل الهادف. وإذا كان اليقين هو العلم اليقيني وزوال الشك، وأن عين اليقين تعني المشاهدة المباشرة لحقائق الأمور فعليه تكمن أهمية الدراية بمسألة اليقين .
ماهية الوعي؟
هو حالة يقظة عقلية لدى الإنسان لإدراك ما حوله، ويوصف الوعي بأنه جنة الدنيا، وأعظم مكاسب الإدراك هي سعادة الروح. وهي أعظم ثماره وهو بذلك يعني القدرة على خوض رحلة التفكير العميق في تحليل تعقيدات الأمور بشكل يمنح وضوحًا داخليًا. وقدرة ذاتية على التفكير النقدي والبحث المستمر عن الحقيقة. وفي إطار محاولة تعريف ماهية الوعي تتضح ثلاث أركان أساسية له:
- الفهم العميق للمعنى الأساسي بما يُحي الآمال في القلوب
- التدبر، إعمال جانب الروح وتشغيل الوجدان في فهم حقيقة الألفاظ وإدراك عمق معانيها.
- الإسقاط ، طمعا في اليقين بحصول التمكين فتطمئن النفس.
معنى اليقين
ينصرف معنى اليقين إلى العلم اليقيني بمطابقة الواقع للاعتقاد المفضي إلى زوال الشك، بينما تعني عين اليقين المشاهدة المباشرة لحقائق الأمور. أما أن نقول نور اليقين فهذا يشير إلى انشراح الصدر لما رسخ في القلب من الإيمان بعد أن يعيش الفرد مراحل اليقين من القراءة وسماع الخبر، وفهمه واستيعابه، ثم التدبر فيه وإسقاط الخبر. والتجاوب مع سلوك القلب فرحًا واستبشارًا.
ثم عيش الفكرة حيث ثمة تبدأ تتشكل الثقة التي تلد الطمأنينة، وأي تقصير في اليقين الشعوري يولد تقصيرًا في سلوك القلب. بمعنى أن سقوط المعنى على القلب كان ناقصًا. ويكون الإكثار من التدبر سبيلًا للوصول إلى الشعور الكامل بالأمان إلى تمام اليقين.
الوعي بحقيقة الوجود
على درب اليقين من خلال التدبر الواعي الصحيح يتولد الإلهام بتحقيق شيء معين تؤكده السعادة الغامرة التي يجدها الفرد وتلك النشوة الرائعة التي تغشاه في غمرة صدقه بثقته في يقينه. ولا يكون تعزيز اليقين والإيمان إلا بالصبر والشكر، وفي الآية 20 من سورة الجاثية : “هذا بصائر للناس وهدي ورحمة لقوم يوقنون”
قوم يوقنون بأن الكون كله لله هو صاحب الخلق وصاحب الأمر، أوجدنا سبحانه في دار الاختبار. وأهل اليقين من الناس هم من تصدر عنهم بإذن ربهم وقدرته الغرائب والعجب.

















