البداية كانت من ” أثينا” في اليونان عام 535 ق.م عندما تقدم ” تسيس “ أقدم ممثل في تاريخ الإنسانية بفكرة إدخال الممثل الأول ليواجه ويتحاور مع جوقة المنشدين العنصر الرئيسي في العروض والاحتفالات اليونانية حين كانت الرقصات الإيقاعية هي السمة الجوهرية للمسرحيات اليونانية.
كان يقتصر دور الممثل بملأ الفواصل ببعض الأجزاء الممثلة، وعندما جاء “اسخيلوس “روائي مسرحي تراجيدي يوناني 465 ـ 525 أضاف الممثل الثاني وعمل على تقليل غلبة الأناشيد واختصرها، وحينما جاء ” سوفوكليس” الكاتب الإغريقي التراجيدي 495 ـ 604 أضاف الممثل الثالث وارتقى بالمسرحية، وجعلها تنال المكانة الأولى في هذا الفن المركب.
طبيعة عمل الممثل
عندما نشأت المأساة اليونانية في القرن السادس ق.م تطورت وأصبحت في القرن الخامس ذات طابع خاص، ثم وضع الفيلسوف اليوناني أرسطو 384 ـ 322 القوانين التي تضبط وتحافظ على روعة المأساة اليونانية في كتابه ” فن الشعر”، حيث أكد فيه أن المحاكاة الشعرية إنما تحاكي أفعالًا أصحابها هم بالضرورة إما أخيار وإما أشرار. لأن اختلاف الأخلاق يكاد ينحصر في هاتين الطبقتين، إذ تختلف أخلاق الناس جميعًا بالرذيلة والفضيلة، والمقصود بالمحاكاة هي عملية التمثيل، فالمسرحية ليست هي الحياة وإنما هي تمثيل الحياة، وجوهر المسرحية ليس حادثة حقيقية وإنما هو تمثيل حادثة حقيقية أو متخيلة.
حقيقة الممثل
هو فنان موهوب، واع، صاحب رؤية، لديه القدرة على أن يُضفي على الفن نضارته وعمقه وإنسانيته. ما لا تصل إليه ألوان الفنانين التشكيليين، أو حجارة النحاتين أو أصوات المطربين، وهذا ما يجعل المسرح متميزًا عن كل لفنون.
فثمة شواهد كيرة تدل على أن التمثيل كان فنًا من الفنون التي تستلزم من الممثل دراسة وتخصصًا يستمران طوال حياته، وأن تحصيل كل أدوات الفن كان من الأمور التي يسعى الممثل إليها بمثابرة واهتمام مستعينا بكل وسائل الإبداع في التعبير الفني.
وسائل التعبير التي يتمتع بها الممثل
الممثل ذو موهبة عظيمة يجب رعايتها وصقلها بالعلم والتدريب الدائم على أيدي متخصصين في الفن، فهو من جهة “تمثّال” يهيئ من جسده تماثيل مختلفة الأوضاع والتعبيرات المعبرة عن كل معانيها، و”مصور” يتخذ من ملامح وجهه تصاوير معبرة ويستعين على ذلك بالألوان في مكياجه وفي ملابسه.
وأيضًا يكوّن من شخصه ومما حوله من ديكورات وشخصيات تشكيلات وتابلوهات حية، ناطقة تعبر عما أُريد لها من المعني ، وهو أيضا “موسيقي ّ يُنغم صوته بما يناسب المعاني ويتنقل في مناطقه وطبقاته، وسُلُّمه، وهامسه ورناته، وهو بعد كل ذلك ” أديب” يعرف أقدار المعاني ووزن المرادفات ليعرف كيف يوضحها ويوصلها بسلامة نطقه ووضوح صوته.
الممثل قديمًا بين الكهنوت وفحش الكلام
والمقصود محاولة معرفة إن كان للممثل تاريخًا يقوم على أساس جسر تاريخي فوق الهوة التي تفصل بين رجال الدين وبين الفجرة وأهل الفسوق، إنها رحلة شاقة وممتعة وثرية، من المهم أن نعمل فيها خيالنا لنعيش هذا العالم. حيث الثقافات العديدة والمتنوعة.
الممثل في بلاد اليونان عبد الآلهة
أُخرجت جميع المآسي اليونانية في أثينا ما بين 500 و600 ق.م وهي فترة العصر الذهبي ومجد أثينا، ولفهم طبيعة دور الممثل كان لا بد من التعرف أولا على معتقدات أهل أثينا التي يعد أشدها غرابة المعتقد الديني وموقف أهل أثينا من الدين والآلهة من ناحية، وموقفه من الدولة من ناحية أخرى ،فالمأساة الإغريقية كانت دينا في أصلها وعقيدة في غايتها.
وكانت الدولة تخرجها للشعب بأسره، الدين عند اليونان قديما هو كل ما يوحي بالشعر والموسيقى والمرح والطبيعة، وهي آلهته التي يقدسها. لأنها كانت تجسيدا لعواطفه ومشاعره،
وكان المسرح أشبه ما يكون بمدرج كبير مفتوح بين أحضان الطبيعة. والشمس وحدها هي مصدر الإضاءة، ولما كانت كل الشخصيات في المآسي الإغريقية أبطالًا أو آلهة فلا يمكن أن تظهر ضئيلة أو مثيرة للسخرية لذا كانت ملامح وجوهها متميزة بالأقنعة التي تساعد على تفخيم الصوت. كان فن التمثيل يتألف من فخامة آسرة من الإشارة والحركة وجمل النطق المتأني والقوة في الإلقاء الصحيح السليم، وكان من المهم أن يكون حجم الممثل كبيرُا وأن يكون التناسب في جسمه كاملًا.
الممثل في روما يهوى الارتجال
يرتبط التعرف على ملامح الممثل في روما بمعرفة الحياة السياسية وعلاقة الحكومة بالجمهور . كانت الحكومة توزع القمح للشعب لتضمن بقاءها. وتدفع لمتعهدي الحفلات من ميزانيتها لإقامة الحفلات بواقع 55 يومًا مخصصا للحفلات المسرحية ومباريات المصارعة وسباق العربات، ثم أدخل ” رومبولس “ ألعاب السيرك ، وكل هذه الألعاب كانت عادة لتكريم الآلهة.
كان جمهور المسرح في روما ذا ذوق غليظ، بليد، خشن، لا يضيق بأي دعابة مهما كانت سخيفة، أو بأي موقف مهما كان مخزيا أو بأي إشارة مهما كانت بلا معنى، مادامت الغاية منها إشباع رغبات هؤلاء المنفرجين المشاغبين. ظهرت المأساة الرومانية كصورة فاسدة من المأساة الإغريقية.
الممثل في الهند أسير الأساطير
تخبطت الأصول المسرحية في الهند في تيه من الأساطير والتخمينات المتضاربة، والأكثر ترجيحا أنها ازدهرت في القرن الرابع الميلادي حتى القرن العاشر. ازدهر المسرح الهندي مستقلا ولم يكن له شأن بأي بلد آخر.
والمسرح القديم باللغة السنسكريتية بنفحة بوذية لأنه أينما دخلت البوذية فإنها تندمج إما بالأعياد الراقصة عند البدائيين، وإما بمُثل عليا للبطولة، وكانت المأساة عندهم ليست مأساة الإنسانية بل كانت مأساة العالم.
تتسم المسرحية الهندوسية بأنها تتكون من فقرات نثرية طويلة مزخرفة بألطف أبيات الشعر وبخيالها البديع وقصصها الغرامية الغارقة في جو من التفاهم وروحها المسالمة ونهاياتها السعيدة. لم تكن بالهند بيوت للتمثيل قائمة بنفسها حتى القرن التاسع عشر إلا أن القصور الملكية الكثيرة كانت تتيح تسهيلات كاملة لإخراج المسرحيات أمام نخبة مختارة.
الممثل في الصين مسؤولية كبرى
ترتبط طبيعة وقدرة الممثل الصيني بتاريخ وطبيعة المسرح الصيني الذي نجد أثره منذ أكثر من ألفي عام قبل الميلاد على شكل رقص مقدس ورقص آخر توقيعي للبلاط. كان تمثيل الدراما الصينية مسؤولية وتجربة كبرى، كان على الممثل الصيني أن يواظب على المران الطويل. والتدريب الشاق، وكانت الأدوار النسائية إلى وقت قريب تسند إلى الرجال.
لعل ما هو أقرب إلى اليقين التاريخي أن الإمبراطور “منج هوانج” من أباطرة القرن الثامن الميلادي كان قد عاد لبلاده بعد رحلة شاهد فيها مهرة الممثلين، فكوّن أول فرقة مسرحية وأنشأ مسرحًا في بستان فاكهة الكمثرى.
الممثل في اليابان طقوسيا
نشأ في اليابان نوعان من المسرح بسبب نظام الطبقات وهما.
مسرح النو، يمثل الإدراك الديني والارستقراطي للحياة في وقت واحد وتتميز مسرحيات ” النو” بالحالة الفكرية العالية في صبغتها الذهنية. حيث يمكن أن تتطور التراجيديا إلى زهد، يلطفه ويرققه الشعور البوذي أما النص فهو تمثيلية قصيرة، تصبح فيها الأذن حساسة إلى أدق همسات الروح والطبيعة.
ومسرح الكابوكي، مسرح شعبي ومسرحياته أكثر تحررًا وانطلاقًا رغم الاحتفاظ بالخصوبة الحسية والزخارف البيانية الحاشدة من صميم الروح اليابانية، وفن الممثل الكابوكي مقيدا بالتقاليد الرفيعة في التمثيل من جهة، وفي الالتزام بالمذهب الياباني من جهة أخرى.
كان التمثيل الياباني غير واقعي، وفي بعض الأحيان طقوسيا، وغير فوتوغرافيا، وتطلى الأوجه لترمز إلى شخصيات تقليدية. ويجب أن يكون الممثل راقصًا جيدًا وممثلًا إيمائيًا ماهرًا، هزليًا محنكًا.
الممثل في القرون الوسطى
لم ينفض الجمهور عن المسرح لذي يطر عليه الزمان حتى القرن العاشر، ثم تأتي الكنيسة لتهيمن على المسرح في سبيل أغراضها الخاصة، فظهرت الدراما ذات الطقوس الدينية نتيجة اجتياح الكنيسة إلى استخدام صلاة الجماهير لتبين للناس حقائق دينهم تبيانا أكثر جلاء.
من الطبيعي أن يقوم الكهنة والقساوسة بالتأليف والتمثيل وأن يتدربوا على الأداء الديني المتميز حتى بعد أن خرج المسرح من الكنيسة كان أعضاء النقابات والجمعيات الفنية يتنافسون على الاتقان تدريبًا خاصًا.
كان الجمهور من البسطاء الأميين والجهلة والسذج، وكان الدين الذي يسيطر على رواياتهم لا يحفل إلا قليلا بحياتهم اليومية ولكنه يحفل بوعود الثواب والعقاب بعد الممات.
الممثل في عصر النهضة
برز تيار الاهتمام الإنسانية وبالعالم أجمع وصادف عصر النهضة الذي كان مركزه إيطاليا، كانت حركة شاملة، جامعة، وبدا أن ثمة اهتمام متزايد بإحياء العلوم والمعارف، وخضعت السياسة والدين لفحص فني صارم.
أما التقاليد والأفكار فقد مرت بعملية غربلة قاسية. كانت هناك رغبة جامحة لكل جمال فني في جميع صوره، وكان لاختراع المطبعة الأثر الكبير في تقرير الفنون الأدبية وإثرائها ، وسعى بعض المثقفون إلى تمجيد المرأة رمز الجمال والكمال ، وصار الحب الإنساني رمزا للحب الديني.
دفعت الحركة الفنية والثقافية المهتمين بالمسرح لاستكشاف النواحي الغامضة في فن التمثيل القديم، وسرعان ما ازداد نفور المشاهدين من مسرح المثقفين الذين استدعوا الماضي بقيوده من وحدة الزمن ووحدة المكان ووحدة الحدث.
فتم الاتجاه إلى الفن الشعبي، ولم تكن إيطاليا قادرة على إنتاج فن تراجيدي أصيل، ثم انتشرت كوميديا أهل الحرفة أو ” الكوميديا المرتجلة ” مع عدم وجود نص مكتوب، ثم ظهر المسرح الكلاسيكي في فرنسا بمفهومه المعبر عن المثل العليا لمجتمع مستقر ومنتظم الطبقات ارتقى بالفن المسرحي إلى أعلى مراتب الكمال بفن متزن يتجه إلى طبقة مثقفة معينة.
الممثل في عصر المدرسة الروسية الحديثة
في منتصف القرن الثامن عشر ظهرت مجموعة من الممثلين أبهروا العالم بأعظم الشواهد في مجال التمثيل الفردي بالجدية والأصالة والطبيعية، واتجه الاهتمام إلى التفكير في طرق التمثيل الرائجة ووضع قواعد جديدة للتمثيل الصادق غير المفتعل، وإعداد الممثل الذي ينقل التمثيل من نطاق الشعوذة إلى نطاق العلم. وليس التمثيل الذي يعتمد فقط على البديهة والفطرة.
الممثل والحركة التجريبية المعاصرة
تميز القرن العشرين بظهور العديد من الحركات الفنية التجريبية التي لم تقتصر على نوع معين من أنواع الإبداع الفني وتوحدت جميعا في رفض الأساليب الموروثة، بل اتجهت إلى محاولة البحث عن أسلوب جديد قادر على استيعاب رؤية الفنان المعاصر لعالمه والتعبير عن التجربة الإنسانية التي تميز عصره وتشمل فكر العصر وعلومه.



























