“الجرهاء”.. أسرار المدينة الأسطورية المفقودة

الجرهاء، مدينة ضاربة في عمق التاريخ، تكاد تكون من الأساطير، فقد ورد ذكرها في كتابات المؤرخين الإغريق والرومان.

المدينة تحدث عنها البحارة اليونانيون، إلا أن أكثر ما يثير الحيرة حولها هو اختفاؤها الكامل. فلا أحد يعلم على وجه اليقين أين كانت تقع. وبحسب”اليوم” تشبه الجرهاء في غموضها أسطورة أتلانتس؛ تلك الجزيرة التي قيل إنها غرقت واختفت من الوجود، ولم تخلف وراءها سوى القصص. كذلك، لم يتبق من مدينة الجرهاء سوى الحكايات والأساطير التي تروي عن ثراء فاحش وتجارة مزدهرة.

يأتي هذا بالإضافة إلى بعض الإشارات القليلة في النصوص القديمة. ولهذا، فكلما اكتشف موقع أثري مهم في المنطقة، سارع البعض إلى نسبه للجرهاء، لكن دون دلائل حاسمة.

اللافت أن المصادر العربية لم تتناول المدينة بشكل مباشر، وكل ما ورد عنها جاء من نقولات على لسان مؤرخين أجانب، وهو ما يزيد من صعوبة التحقق من حقيقتها وموقعها.

الجدل حول الموقع

ولا يزال الجدل قائمًا بين الباحثين حول الموقع الحقيقي للجرهاء، فما يتداول اليوم لا يتجاوز حدود الاجتهاد. ولا يستند إلى أدلة أثرية قاطعة. فبعض علماء الآثار يعتقدون أن “ثاج” هي الجرهاء، بينما يرى مؤرخون آخرون أن موقعها قد يكون ساحليًا في منطقة أخرى، ولكل طرف أدلته واجتهاداته الخاصة.

الجرهاء في ظل حملة الإسكندر المقدوني

عند الحديث عن الجرهاء، لا بد من الإشارة إلى الحملة الشهيرة التي شنها الإسكندر المقدوني عام 334 ق.م. ضد الدولة الفارسية الأخمينية، والتي استطاع خلالها أن يبسط نفوذه على مساحات واسعة من العالم القديم، بما فيها مصر وبلاد الشام والعراق، حتى وصل إلى شمال الهند.

ولم يكتف الإسكندر بهذه الفتوحات، بل كان يخطط لاستكمال حملته نحو الساحل الشرقي للخليج العربي. المعروف بثروته وتجاراته ولهذا، أرسل بعثات بحرية استطلاعية من الهند وبابل إلى جزر الخليج مثل فيلكا (الكويت حاليًا) وديلمون (البحرين اليوم) والمناطق الساحلية المقابلة، أي ما يعرف اليوم بالمنطقة الشرقية من السعودية. لكن وفاة الإسكندر المفاجئة وضعت حدًا لطموحاته العسكرية، وتوقفت حملته قبل أن تبدأ.

الاسم والهوية

لا يعرف اسم الجرهاء الأصلي على وجه اليقين، فالتسمية الحالية جاءت من التراث العربي لاحقًا. نقلًا عن كتابات الإغريق والرومان. وتشير المصادر إلى أن المدينة نشأت في القرن السابع قبل الميلاد، وبلغت أوج ازدهارها في القرن الثالث قبل الميلاد، واشتهرت حينها كمركز تجاري مهم في الجزيرة العربية، تتدفق إليه البضائع من الهند واليمن وعمان، ما جعلها محط اهتمام المؤرخين القدماء.

شهادات المؤرخين الإغريق عن ثراء الجرهاء

ذكر المؤرخ الإغريقي بوليبيوس أن أحد القادة وصل إلى الجرهاء. وتمكن من الحصول على جزية ضخمة من المعادن النفيسة. بعد أن توسل إليه سكان المدينة ليكف عن مهاجمتها. وقالوا له: “لا تحرمنا من النعم التي وهبتنا إياها الآلهة، وهي السلام والحرية.”

أما المؤرخ سترابون، فقد وصف الجرهائيين والسبئيين بأنهم أغنى شعوب الجزيرة العربية، نتيجة تجارتهم المزدهرة، مشيرًا إلى أنهم كانوا يمتلكون أفخر أنواع الملابس، وأواني من الذهب والفضة، وأحجار كريمة.ويضيف المؤرخ ديودور الصقلي بأن الجرهائيين والسبئيين كانوا من أثرى الولايات على الإطلاق، فقد امتلكوا أدوات ومقتنيات مصنوعة من الذهب والفضة، وأسرة فاخرة، وأواني للشرب، ومنازل مزينة بالعاج والذهب، ومطاعم ذات أبواب وأسقف مطعمة بالمعادن النفيسة.

الرابط المختصر :