في إطار السباق العالمي المحموم للتخفيف من حدة التغير المناخي، برزت إستراتيجية التشجير، كحل سحري وبسيط؛ فزراعة ملايين الأشجار غير المحلية تبدو للوهلة الأولى وسيلة مثالية لامتصاص الكربون من الغلاف الجوي. لكن مراجعة علمية حديثة نشرت في مجلة علم البيئة (Journal of Ecology)، بقيادة الباحث “خايمي مويانو” وفريقه، تفتح بابًا للنقاش حول العواقب غير المقصودة لتحويل النظم البيئية الخالية من الأشجار بطبيعتها إلى غابات اصطناعية.

إغراء امتصاص الكربون
تعتمد العديد من إستراتيجيات عزل الكربون الحالية على فرضية منطقية: الأشجار تنمو سريعًا، وهي مخازن حية للكربون فوق سطح الأرض. عندما يتم إدخال أنواع محلية أو غير محلية إلى مساحات مفتوحة (مثل المراعي أو السهول)، يظهر الرصد الأولي زيادة ملموسة في تراكم الكتلة الحيوية الكربونية، وهو ما يسوق له كإنجاز بيئي كبير.
ما وراء الأخضر.. التكاليف الخفية للتشجير
بحسب “besjournals” تحذر المراجعة العلمية من أن النظر إلى “الكربون فوق الأرض” فقط هو رؤية قاصرة؛ إذ إن تحويل السهول والمراعي الطبيعية إلى غابات قد يؤدي إلى نتائج عكسية تؤثر على توازن الكوكب:
- استنزاف كربون التربة: في العديد من النظم الخالية من الأشجار، يتم تخزين معظم الكربون في التربة. زراعة الأشجار قد تخل بهذا التوازن. ما يؤدي أحيانًا إلى انخفاض مخزون الكربون الأرضي، وهو ما قد يفوق في ضرره كمية الكربون التي امتصتها السيقان والأوراق.
- معضلة “البياض” (Albedo): الأشجار داكنة اللون مقارنة بالأعشاب أو الثلوج؛ لذا فهي تمتص حرارة الشمس بدلاً من عكسها. ما قد يساهم في رفع درجة حرارة المنطقة المحيطة محليًا رغم امتصاصها للكربون.
- قنبلة موقوتة للحرائق: تزيد الغابات الكثيفة من كمية “الوقود الحيوي” وترابطه، ما يجعل الحرائق أكثر شدة واستمرارية. ما يؤدي عند اندلاعها إلى إطلاق كميات ضخمة من الكربون المخزن دفعة واحدة إلى الغلاف الجوي.

آثار بيئية تمتد إلى الماء والتنوع
لا يتوقف الضرر عند الكربون فحسب. بل يمتد ليشمل “صحة النظام البيئي” ككل:
- الأمن المائي: تستهلك الأشجار (خاصة الأنواع الغازية سريعة النمو) كميات هائلة من المياه. ما قد يؤدي إلى جفاف العيون والآبار وتراجع الإنتاجية المحلية.
- خسارة التنوع البيولوجي: استبدال الأنواع المحلية بنظم أحادية النوع (Monoculture) يطرد الكائنات الحية التي تعتمد على المساحات المفتوحة، ويغير دورات المغذيات الطبيعية في التربة.
نحو تشجير ذكي ومسؤول
تخلص المراجعة إلى أن زراعة الأشجار قد تكون أداة فعالة. ولكنها ليست “وصفة صالحة لكل مكان”. النجاح يعتمد على ثلاثة محددات رئيسية:
- الموقع: هل النظام البيئي المستهدف مؤهل طبيعيًا ليكون غابة؟
- النوع: هل الأشجار المزروعة محلية أم أنها أنواع غازية قد تدمر التوازن المائي؟
- الزمن والمخاطر: تقييم احتمالات انتشار هذه الأشجار بشكل غير منضبط خارج مناطق الزراعة.
حماية المناخ تتطلب الحفاظ على “سلامة النظم البيئية” القائمة (كالسهول والمراعي) تمامًا كما تتطلب زراعة الغابات. إن الهوس بالأخضر دون دراسة الأثر العميق قد يحول الحل إلى مشكلة، ويجعلنا نفقد التنوع البيولوجي والمياه في مقابل وعود كربونية هشة.

















