العسل السعودي.. من تراث إلى قوة اقتصادية في رؤية 2030

لم يعد إنتاج العسل السعودي في المملكة العربية السعودية مجرد مهنة متوارثة أو نشاط ريفي تقليدي، بل تحول إلى قطاع استراتيجي يضع بصمته بقوة على خارطة التميز العالمي. ففي ظل التوجه نحو الغذاء الصحي والمنتجات الطبيعية. استثمرت المملكة تنوعها الجغرافي الفريد وإرثها العريق لتجعل من “الذهب السائل” أحد مستهدفات التنمية الزراعية المستدامة وتنويع مصادر الدخل القومي ضمن رؤية 2030.

طفرة إنتاجية ودعم سيادي

هذا التحول هو نتاج خطة طموحة قادتها وزارة البيئة والمياه والزراعة، تهدف إلى ريادة المملكة إقليميًا ودوليًا. وتتجلى لغة الأرقام لتعكس حجم الإنجاز؛ حيث تجاوز عدد النحالين المسجلين 20 ألف نحال ونحالة، يديرون أكثر من مليوني خلية نحل، بإنتاج سنوي يربو على 5 آلاف طن.

ولم يكن هذا النمو ليتحقق لولا الدعم الحكومي النوعي، حيث قدم برنامج التنمية الريفية المستدامة “ريف السعودية” دعم مباشر تجاوز 140 مليون ريال، استفاد منه أكثر من 10.5 آلاف نحال، بالإضافة إلى تخصيص 100 مليون ريال لدعم مشاريع متخصصة تهدف لتوطين المهنة ورفع كفاءة الإنتاج.

العسل السعودي.. من موروث شعبي إلى ركيزة اقتصادية في رؤية 2030

بيئات مثالية وريادة خليجية

تبرز مناطق مثل عسير والباحة كأيقونات لإنتاج أجود أنواع العسل؛ فجبال عسير بمناخها المعتدل تحتضن مليوني خلية، بينما تساهم الباحة بإنتاج يزيد عن 800 طن سنوياً عبر مهرجانها الدولي الذي بات نافذة للمنتج السعودي عالميًا. وبحسب الخبراء، تسيطر السعودية اليوم على 70% من صادرات العسل الخليجية، و57% من إجمالي الصادرات العربية، ما يؤكد تفوق المنتج المحلي تنافسيًا.

الفجوة الاقتصادية وفرص الاستثمار

بحسب “alriyadh” رغم أن قيمة الإنتاج المحلي تتجاوز 176 مليون دولار سنويًا، إلا أن السوق لا يزال يشهد فجوة تتطلب الاستيراد لتغطية الطلب المتنامي؛ حيث يستهلك الفرد السعودي نحو 320 غرامًا سنويًا. وهو ضعف المتوسط العالمي. هذا الواقع يفتح آفاقًا رحبة للاستثمار لتحويل القطاع من الإنتاج التقليدي إلى صناعة متقدمة تحقق الاكتفاء الذاتي وتعزز الصادرات.

العسل السعودي.. من موروث شعبي إلى ركيزة اقتصادية في رؤية 2030

تحدي “الجودة” وشبح الغش التجاري

في المقابل، يواجه القطاع تحديات لا يستهان بها، أبرزها ظاهرة الغش التجاري. ويحذر مختصون،  من أن أساليب التلاعب باتت متطورة لدرجة قد تخدع المحترفين. ما يهدد سمعة المنتج الوطني. ويؤكد الخبراء أن الاختبارات المنزلية الشائعة (كالنشا أو الماء) ليست سوى “أوهام علمية”، وأن المختبرات الدقيقة هي الفيصل الوحيد لكشف نسب الإنزيمات والمركبات الحيوية.

وفي هذا السياق، نصح الدكتور إبراهيم العريفي (المشرف على مختبر جودة العسل بالرياض) في تصريح له . بضرورة التعامل مع العسل كـ “صيدلية متكاملة” تحتوي على أكثر من 181 مركب حيوي، محذرًا من ممارسات خاطئة مثل تسخين العسل أو خلطه بمواد قد تسبب تخمره وفقدان قيمته العلاجية.

الرقابة والوعي: خط الدفاع الأخير

وقد أتخذت الهيئة العامة للغذاء والدواء موقف حازم عبر حملات تفتيشية دورية واعتماد مواصفات قياسية صارمة. وتؤكد الهيئة أن “تبلور العسل” ليس دليلاً على فساده كما يشاع شعبياً، بل هو ظاهرة طبيعية.

لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الجهات الرقابية وحدها؛ فقصص المستهلكين تشير إلى اهتزاز الثقة نتيجة الأساليب التسويقية المبالغ فيها. لذا، يظل وعي المستهلك هو الركيزة الأساسية. من خلال الشراء من مصادر موثوقة والبحث عن شهادات الجودة المعترف بها.

إن الرحلة التي بدأها النحال السعودي من جبال عسير ووديان الباحة وصلت اليوم إلى منصات التتويج العالمية. وحماية هذا المنجز تتطلب تكاتف بين الرقابة الصارمة، ودعم النحالين، ووعي المستهلك، ليظل العسل السعودي علامة فارقة في الجودة. وفخرًا للصناعة الوطنية الواعدة.

الرابط المختصر :