أزمة الرواية التاريخية العربية تواجه ضعف الإنتاج وغياب الاستراتيجية البصرية

على الرغم من التطور الذي عرفه انتشار فن كتابة سيناريوهات الأعمال الدرامية والحضور اللافت للرواية العربية. إلا أن الرواية التاريخية العربية والإسلامية لا يبدو أنها لاقت ذلك الاحتفاء المرجو. أو حققت ذلك النجاح الموازي للإنتاج البصري عموما ولو على سبيل مجاراة العالم في استثمار الأفلام السينمائية والدراما التلفزيونية. لخدمة ترقية الثقافة وترسيخ الهوية.

ودعما لجهود تكريس الانتماء والتأثير الإيجابي خاصة في المرحلة العصيبة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية. في مواجهة مؤامرات الاستلاب الأخلاقي وصراعات التذويب الثقافي. حيث تصبح سياسة الإنتاج السمعي ـ البصري للإبداع الروائي التاريخي. وتحالفها مع الإنتاج السينمائي أكثر من ضرورة بالإضافة إلى ما تمثله من مورد اقتصادي من موارد الاقتصاد القومي.

ضعف الإنتاج وغياب الاستراتيجية

قد يوحي لدى البعض أن ضعف الإنتاج الفني للرواية التاريخية في السينما العربية يعود إلى غياب المادة التاريخية أو إلى تنكر السينما العربية لأفلام التاريخ. وهو خطأ شائع يخفي نية التهرب تحت غطاء تكاليف الإنتاج المرتفعة وغياب الاستراتيجية. لأن العلاقة بين أدب الرواية العربية والتاريخ علاقة قديمة وجدلية.

والرواية في وقتنا الراهن حيث استعد الكثيرون في إطار سياسية ثقافية واعية متبصرة لملأ الفراغ. ببرمجة الكثير من الفعاليات الثقافية والفنية ذات إيديولوجية سياسية ومذهبية.

باتت ذات أهمية خاصة جعلتها أكثر أجناس الأدب انتشارا عالميا خاصة في بلدان الشرق كالمسلسلات التاريخية التركية والصينية والإيرانية. مقابل إنتاج عربي تاريخي قليل وضعيف جدا. لا لنقص في الإمكانيات بقدر ما يعود لقصور في الوعي السياسي بقوة تأثير دورها الثقافي وحيوية عائدها الاقتصادي. وأهمية بعدها الاستراتيجي في معارك الدفاع عن الهوية والذات.

إن ما على الرواية التاريخية العربية من قصور بيّن مقارنة بما بات عليه تطور موضوعات وتقنيات الرواية العالمية. فإنها تعرف أيضا كثير من المشاكل نفسها التي تعرفها الرواية العربية المعاصرة. المتمثلة في معوقات النشر والتوزيع والنقد والترجمة وغيرها من وسائل الاحتفاء والتشجيع بما فيها إنتاجها بصريا.

الرواية في صراع الثقافات

ما يتم استغلاله حاليا يندرج في إطار تعزيز مهمة الرواية في صراع الثقافات من خلال الاشتغال القصصي المرصع بالخيال. على ما يهمله المؤرخون من التاريخ وفق رؤية وحرية يفترض ألّا تجاري الأفكار السائدة مهما كانت سطوتها. ولا تتبنى أفكار القطيعة مهما كان بريقها.

وهو ما باتت معه الرواية التاريخية حاجة ملحة ضمن أهم وسائل بث روح الأمل واستنهاض الإمكانيات واستعادة الثقة بالذات والهوية. والإيمان بأن أنه بإمكانها تجاوز أخطاء الماضي وتدارك نقائص الحاضر واستكمال السير بروح جديدة في إنتاج المعرفة الإنسانية.

مراحل تطور الرواية العربية

واكبت الرواية التاريخية مراحل نشأة وتطور الرواية العربية منذ بدايات القرن العشرين، وهي إن بقيت إصداراتها أقل من إصدارات الروايات الأخرى. إلا أنها سجلت حضورا واضحا وحققت تطورا مواكبا. وبتتبع مسارها التاريخي  بدءا من بداياتها مع عدد من أبرز الكتّاب مثل “جورجي زيدان” و “معروف الأرناؤوط” ل”سليم البستاني” و”موريس كامل”.

 

وآخرين وصولا إلى جيل على أحمد باكثير وعبد الحميد جودة السحار وغيرهم من الأجيال التي تعاقبت على تطوير الرواية. والتي تجاوزت الصبغة التقليدية بمؤثريها الشعبي والرومانسي نحو الموضوعية. في علاقتها النقدية الواعية بالتاريخ وفنيا في الاشتغال على تقنيات الرواية الحديثة. وفق إمكانيات الإبداع الأدبي بمؤثريه الخيال والدراما كما هو حال الرواية التاريخية المعاصرة. ومنها : ثلاثية غرناطة لرضوى عاشور ، النبطي ليوسف زيدان ، سمرقند لأمين معلوف، وشوق الدرويش لحمود زيادة وغيرهم.

السينما العربية والتاريخ

إن الخطوة الأهم لتكريس تأثير الرواية التاريخية هي في تناولها فنيا ومعالجتها دراميا وإنتاجها سينمائيا. فالحقيقة التاريخية من خلال الصورة السينمائية تكون أكثر إقناعا لما تتمتع به السينما من قدرة على الاختزال والتعبير والتصوير والإيصال والتأثير .. والإقناع.

تعود علاقة السينما العربية بالتاريخ إلى نهاية أربعينات وبداية خمسينيات القرن الماضي في مصر. ومنه انتقلت إلى عدد من البلدان العربية ونالت اهتماما في سوريا ولبنان والجزائر.

وعلى الرغم من البداية المبكرة للسينما العربية مع الفيلم التاريخي إلا في مجمل إنتاجها على مدي ستين عاما لم يصل للأسف إلى ستين فيلما. ومن هذا العدد القليل لا تستحضر الذاكرة سوى بضع أفلام كفيلم معركة الجزائر 1966. الرسالة 1976 الذي يبقى بعد سنين على إنتاجه نموذجا للفيلم السينمائي التاريخي العربي الكبير.

إلى فيلم أسد الصحراء الذي حملت نسخته العربية اسم عمر المختار 1981. ولا يمكن تجاهل المخرج المصري الراحل يوسف شاهين من خلال إنتاج أفلام تاريخية جديرة بالذكر مثل جميلة بوحيرد 1959 والناصر صلاح الدين 1963  الوداع يابونابرت 1983 والمصير 1997 .

إن استنهاض الرواية التاريخية يمثل مرجلة  مهم لاستنهاض السينما والدراما التاريخية وتطويرا واستثمارا لها في الوقت ذاته في خدمة الثقافة وحماية الهوية وهو ما يستدعي إعادة النظر في العلاقة مع الرواية والسينما انطلاقا من وعي جديد وتطوير تطبيقي يواكب اللحظة الراهنة.

الرابط المختصر :