من الفكرة إلى التغيير.. الدماغ يعيد تشكيل قدرات سلوك ونظرة الإنسان

بين علم النفس والعلوم الطبية وعلم الأعصاب، كشفت الأبحاث الحديثة عن قدرات مدهشة يمتلكها الدماغ البشري. مؤكدة أن ما نتوقعه ونؤمن به عن أنفسنا قد يؤثر بصورة ملموسة في أدائنا وسلوكنا وطريقة تعاملنا مع الحياة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد التفكير الإيجابي، بل بآليات عقلية يمكن أن تسهم في تغيير بعض القدرات والاستجابات مع التدريب والممارسة.

عندما يستجيب الجسم لما يتوقعه العقل

أظهرت أبحاث أن التدريب الذهني لا يخلو من تأثيرات حقيقية على الأداء الجسدي. ففي دراسة أجريت عام 2004، تمكن أشخاص مارسوا تدريبات ذهنية تقوم على تخيل أداء تمارين تقوية العضلات من تحقيق زيادة في القوة، رغم عدم استخدام الأوزان فعليًا.

وتشير هذه النتائج إلى أن الدماغ يستطيع تحسين الإشارات العصبية الموجهة إلى العضلات من خلال التدريب الذهني. ولا يقتصر الأمر على التخيل؛ إذ يبدو أن التوقعات نفسها يمكن أن تؤثر في الأداء.

This may contain: an image of two people with different colored brain shapes

وأظهرت مراجعة لعدد من التجارب على الرياضيين وممارسي التمارين أن الأشخاص الذين اعتقدوا أنهم تلقوا مادة أو تدخلًا من شأنه تحسين أدائهم حققوا نتائج أفضل، رغم عدم حصول بعضهم فعليًا على أي مادة فعالة.

وهذا يعني أن الطريقة التي نتوقع بها أداءنا قد تصبح جزءً من الأداء نفسه، وإن كانت التوقعات وحدها لا تعوض التدريب والممارسة الفعلية.

عندما تتحول نقاط الضعف إلى مصادر قوة

من الأفكار اللافتة التي تناولتها الأبحاث أن نظرتنا إلى صفاتنا الشخصية يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نظهر بها تلك الصفات. فقد وجدت دراسة أن الأشخاص الذين أعيد تأطير إحدى صفاتهم السلبية باعتبارها تحمل جانبًا إيجابيًا أظهروا لاحقًا سلوكًا يتوافق مع ذلك الجانب.

فعلى سبيل المثال، إذا اعتبر الشخص اندفاعه عيبًا لا يمكن تغييره، فقد يركز على سلبياته. أما إذا رأى أن لهذه السمة جانبًا يمكن توظيفه، مثل سرعة توليد الأفكار أو الإبداع، فقد يصبح أكثر استعدادًا لإظهار هذا الجانب.

لذلك، فإن الصورة التي نكوّنها عن أنفسنا ليست دائمًا مجرد وصف محايد لشخصياتنا. بل قد تؤثر في السلوك الذي نمارسه وفي القدرات التي نسمح لأنفسنا بإظهارها.

This may contain: a man walking with a cane in front of a brain

التخيل كوسيلة لتحسين الأداء

تدعم مجموعة واسعة من الدراسات استخدام التصور الذهني لتحسين الأداء في المهام المعقدة. فعندما يتخيل الشخص نفسه وهو يؤدي مهارة معينة بصورة متكررة، وبطريقة واضحة وواقعية، يمكن أن يتحسن أداؤه. وقد ظهر ذلك في مجالات مختلفة مثل الرياضة والموسيقى والجراحة وغيرها.

لكن التخيل لا يعني الاكتفاء بالجلوس وتصور النجاح، وتكون فائدته أكبر عندما يستخدم إلى جانب التدريب العملي. بحيث يصبح نوعًا من التمرين الذهني الذي يهيئ الشخص للموقف الحقيقي.

ماذا يحدث عندما يكبر الطفل وسط الإهمال العاطفي؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة عند الحديث عن الأشخاص الذين نشأوا في بيئات لم تحظَ فيها مشاعرهم بالاهتمام الكافي.

فالطفل الذي لا يجد استجابة مناسبة لمشاعره واحتياجاته قد لا يسمع صراحة أنه غير مهم، لكنه قد يستنتج ذلك تدريجيًا من خلال التجارب اليومية. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتحول هذه التجارب إلى معتقدات داخلية كقلة أهمية مشاعره أو أن يتفادى إزعاج الآخرين باحتياجاته.

وقد تظهر هذه المعتقدات لاحقًا في الحياة اليومية، فيتردد الشخص في التعبير عن رأيه، أو يعتذر باستمرار عن احتياجاته. أو يشعر بالذنب لمجرد طلب المساعدة، أو يصف نفسه بالأنانية عندما يحاول وضع حدود صحية.

This may contain: a man holding his hands to his face while standing in front of an abstract background

غير أن هذه الأنماط ليست بالضرورة ثابتة إلى الأبد. فالدماغ يتمتع بقدر من المرونة، ويمكن للإنسان أن يطور طرقًا جديدة في التفكير والسلوك من خلال الوعي والتدريب والممارسة.

كيف يمكن الاستفادة من هذه القدرة؟

أولى الخطوات هي التوقف عن التعامل مع المعتقدات السلبية عن الذات باعتبارها حقائق نهائية. الاعتقاد بأن لا شيء يمكن أن يتغير قد يجعل الشخص أقل استعدادًا للمحاولة، بينما الاعتقاد بأن التغيير ممكن يمكن أن يشجعه على اتخاذ خطوات فعلية.

بعد ذلك، يمكن تحديد السلوك المرغوب والتدرب عليه ذهنيًا. إذ أن الشخص الذي يريد أن يصبح أكثر ثقة، مثلًا، يمكنه أن يتخيل نفسه وهو يتحدث بوضوح في اجتماع أو يعبر عن رأيه دون خوف. ثم يترجم هذا التصور إلى مواقف واقعية صغيرة ومتدرجة.

كما أن إعادة بناء العلاقة مع الذات تحتاج إلى الصبر. فنجد الشخص الذي اعتاد لسنوات على الشعور بأنه غير كافٍ لن يتحول إلى شخص واثق بمجرد تكرار عبارات إيجابية. لكن البدء بتغيير الطريقة التي يخاطب بها نفسه، واكتساب تجارب جديدة، وممارسة السلوك الذي يرغب في تطويره، يمكن أن يساعد تدريجياً في بناء تصور مختلف عن الذات.

قوة العقل ليست بديلًا عن الواقع

ومع ذلك، من المهم عدم المبالغة في تفسير هذه النتائج، فالتفكير الإيجابي أو التخيل لا يستطيع وحده علاج جميع المشكلات أو تغيير الواقع الخارجي. كما أن الظروف الصعبة والتجارب المؤذية قد تترك آثارًا حقيقية تحتاج أحيانًا إلى دعم متخصص.

This may contain: two people are sitting at a table and one person is standing in front of a fan

لكن الرسالة الأساسية مفادها أن المعتقدات التي نحملها عن أنفسنا يمكن أن تؤثر في الطريقة التي نتصرف بها. وما نعتقد أننا قادرون عليه، وكيف نواجه التحديات.

إن تغيير الصورة الداخلية عن الذات قد يكون بداية لتغيير الطريقة التي يعيش بها الإنسان حياته. وما كان الشخص قد تعلمه عن نفسه في الماضي ليس بالضرورة حكماً نهائياً على مستقبله.

فليس المطلوب أن يصدق الإنسان أنه قادر على كل شيء، بل أن يمنح نفسه فرصة لاكتشاف ما يمكنه فعلًا أن يصبح عليه.

الرابط المختصر :