معايير الجمال لدى جيل زد

في عصر تسيطر فيه الخوارزميات على ملامحنا، يبدو أن الابتسامة التقليدية باتت عملة قديمة في سوق “السيلفي”. تحول جذري في مفهوم الجمال لدى “جيل زد” (Gen Z). حيث تراجعت العفوية لصالح تعابير وجه مرسومة بدقة لتناسب عدسات الكاميرا وشاشات الهواتف.

لم تعد الابتسامة العفوية معيار الجاذبية كما كانت في السابق، بل تراجع حضورها أمام تعابير وجه محسوبة تصنع خصيصًا للكاميرا، في انعكاس لتحولات أعمق في مفهوم الجمال لدى جيل كامل.

جيل زد، المولود بين عامي 1997 و2012، نشأ داخل بيئة رقمية مفتوحة. حيث لا تلتقط الصورة فقط، بل تصمم بعناية لتواكب لغة بصرية تتغير مع كل ترند جديد. وفي هذا السياق، برز ما يعرف بـ”البوت فيس” كتعبير وجهي يعكس انتقالًا واضحًا من العفوية إلى الأداء المقصود.

يقوم هذا التعبير على شفاه مزمومة قليلًا ومسترخية، مع إبراز الشفة العليا، ليمنح مظهرًا يبدو غير مبالٍ لكنه في الوقت ذاته واثق ومتحكم. هذا التناقض المقصود هو ما جعله جذابًا ومفضلًا في صور السيلفي، خصوصًا بين المشاهير مثل ليلى روز ديب. ما أسهم في انتشاره وتعزيزه كأحد ملامح الجمال الرائجة.

ومع صعود منصات مثل التواصل الاجتماعي، لم يعد الجمال ثابتًا، بل أصبح سريع التغير، تحكمه خوارزميات وانتشارات لحظية. ولم يعد المستخدمون يكتفون بتقليد الترند، بل يعيدون تشكيل ملامحهم وتعابيرهم بما يتماشى معه، ليغدو “البوت فيس” أكثر من مجرد تعبير، ورمزًا لانتماء رقمي ولغة بصرية مشتركة تعكس كيف يرى هذا الجيل نفسه وكيف يريد أن يرى.

من “شفاه البطة” إلى “البرود الواثق”

بعد سنوات من سيطرة ترند “شفاه البطة” (Duck Face) الذي اشتهر به جيل الألفية، صعد نجم ما يعرف بـ “البوت فيس” (Pout Face).

هذا التعبير لا يعتمد على إبراز الشفاه بشكل مبالغ فيه، بل يرتكز على إظهار حالة من “اللامبالاة المقصودة” والثقة الباردة، وهو المظهر الذي بات يتصدر منصات “تيك توك” و”إنستجرام”.

This may contain: a woman taking a selfie with her cell phone while wearing a jean jacket and jeans

تعابير بلا عفوية

في ظل الانتشار الواسع لترندات التصوير، لم تعد تعابير الوجه انعكاسًا عفويًا للحالة النفسية، بل تحولت إلى مهارة مكتسبة يتقنها المستخدمون، خصوصًا بين جيل زد. وهذه التعابير تعكس تحولًا في طريقة استخدام الوجه. حيث لم يعد الهدف التعبير، بل إنتاج صورة محسوبة تتماشى مع معايير بصرية متغيرة.

ويرى أطباء التجميل أن هذه التعابير تقوم على تحكم دقيق في عضلات الوجه، إذ يتعلم المستخدم كيفية إبراز الشفاه أو تحديد الفك أو تثبيت نظرة محايدة توحي بالثقة واللامبالاة في آن واحد. هذا النمط لا يأتي عفويًا، بل نتيجة تكرار وملاحظة لما ينتشر عبر المنصات. حيث تتحول التعابير إلى ما يشبه قالبًا بصريًا يعاد إنتاجه باستمرار.

This may contain: a woman in a hat is holding up her cell phone

كيف تغيرت لغة الجمال؟

قبل صعود “البوت فيس”، كان ترند “شفاه البطة” يهيمن على صور جيل الألفية. وعلى رغم اعتماد التعبيرين على إبراز الشفاه، فإن الفارق بينهما يتجاوز الشكل إلى الرسالة.

في تلك المرحلة، استخدمت “شفاه البطة” كوسيلة مباشرة لإبراز الجاذبية، وارتبطت بمحاولة الظهور بمظهر أنثوي لافت أمام الكاميرا. لكن هذا الأسلوب فقد بريقه تدرجًا وتحول إلى مادة للسخرية بسبب مبالغته وافتقاره إلى العفوية.

أما اليوم، فقد أعاد جيل زد إنتاج الفكرة نفسها، لكن بصيغة أكثر هدوءًا وبرودة. يأتي “البوت فيس” أقل استعراضًا، ويقترن بتعابير محايدة توحي باللامبالاة، مع إبراز خفيف للشفاه يمنح انطباعًا بالثقة دون مبالغة.

هذا التحول لا يعكس تغيرًا في الشكل فقط، بل في طريقة التعبير ذاتها. لم يعد الهدف إبراز الملامح بقدر ما أصبح إيصال موقف أو شخصية، ضمن لغة بصرية تتشكل باستمرار عبر المنصات الرقمية.

This may contain: a woman holding up a blue phone case to her face with a cat in front of her

مصطلح “زوم بوم”

إن تعابير التصوير باتت تحاكي نتائج بعض إجراءات التجميل دون تدخل فعلي، مثل إبراز الشفاه أو شد الملامح. ما يجعلها بمثابة “فلتر بشري” يسبق الفلاتر الرقمية، ويعكس وعيًا متزايدًا بكيفية الظهور أمام الكاميرا، لكنه في الوقت ذاته يرسخ معايير محددة للجمال.

فلم يعد الوجه موجهًا للتفاعل الاجتماعي المباشر، بل للظهور عبر الشاشة. حيث يضبط المستخدمون وضعياتهم وتعابيرهم بعناية لتحقيق صورة “أفضل” تتماشى مع المعايير البصرية السائدة.

ولها أسباب، وبحسب دراسة منشورة عام 2018 في مجلة جاما لجراحة تجميل الوجه، فإن الكاميرا الأمامية قد تضخم بعض الملامح، مثل الأنف، وتغيّر نسب الوجه، وهو ما يفسر ميل كثير من المستخدمين إلى اعتماد تعابير محسوبة عند التصوير تتوافق مع طبيعة العدسة.

ويلاحظ أطباء التجميل أن بعض الشباب لم يعودوا يطلبون ملامح محددة، بل يسعون إلى تقليد تعبير بعينه، مثل النظرة الباردة أو الشفاه المزمومة. ما يعكس تحولًا من تقليد الأشخاص إلى تقليد الأنماط البصرية، ويقلل من التنوع الطبيعي في تعابير الوجه.

وتشير تقارير صادرة عن الأكاديمية الأمريكية لجراحة تجميل الوجه والترميم لعام 2020 إلى ارتفاع الطلب على إجراءات التجميل المرتبطة بالصور والسيلفي، فيما عرف بمصطلح “زوم بوم”.

وأظهر تقرير الجمعية الأمريكية لجراحي التجميل لعام 2022 تزايد اهتمام الفئات الأصغر سنًا بإجراءات غير جراحية، مدفوعًا بتأثير منصات التواصل الاجتماعي، في دلالة على صعود ما يمكن وصفه بـ”الجمال المصمم للكاميرا”.

في المقابل، يحذر مختصون من أن هذا النمط يخلق ضغطًا نفسيًا غير مباشر، إذ يشعر البعض بضرورة الالتزام بهذه التعابير للحصول على القبول أو التفاعل، ليصبح الجمال معيارًا غير معلن تفرضه الخوارزميات أكثر مما يختاره الأفراد.

الرابط المختصر :