لماذا نقرأ الروايات؟ رحلة البحث عن النفس بين ثنايا الصفحات

مهما فعلنا في حياتنا اليومية، فإن هدفنا في الغالب هو فهم هذا العالم على أكمل وجه. فالأدب، والعلوم، والموسيقى، والفنون البصرية، وعلم النفس، وجميع المجالات، هي محاولات متواصلة لجمع قطع أحجية العالم ومحاولة فهم ما يجري.

والأهم من ذلك، أن جميع قطع الأحجية متساوية في الحجم. كمحاولة تجميع قطع الأحجية واختيار القطع ذات الأشكال الواضحة. لأنها ببساطة نقطة انطلاق جيدة لبناء القطع الأخرى بناءً عليها. إن الروايات في الأدب هي تلك القطع التي نبدأ بها في محاولة لفهم الإنسانية والعالم ككل. وطالما وجدت الإنسانية، تبقى الروايات ضرورية.

لماذا نقرأ الروايات؟

الروايات تخلق حالةً من التساؤل

عند قراءة رواية، وخاصةً الجيدة منها، فإنها لا تملي عليك الصواب والخطأ. إنها ببساطة سردٌ يأخذك إلى عالم البطل ويتيح لك تجربة مواقف أخلاقية صعبة. تصبح في حالة تساؤل دائم طوال الرواية (كما في رواية دوستويفسكي “الجريمة والعقاب”) وربما حتى بعد الانتهاء منها. إلى أن تكوّن بوصلتك الأخلاقية الخاصة التي تبني عليها أفعالك.

إن التساؤل والتأمل والتفسير المنطقي هي البذور التي تزرع الحكمة. وبدون هذه البذور الثلاث، لا يتشكل مفهوم عقلاني سوى عقلية القطيع. تخيّل النظام الأخلاقي كعضلة تبنى من خلال التعرّض لمواقف أخلاقية معقدة. كلما كانت هذه العضلة أقوى، كلما تحسّنت المهارات في اتخاذ القرارات.

تغيير وجهات النظر

عندما تنظر إلى قصة ما من منظور لص مثلًا، ستبدأ مع تقليب الصفحات تدريجيًا في الدفاع عن هذا اللص، اللص نفسه الذي كان بإمكانك في البداية أن تحكم عليه بأنه “سيئ” أو “شرير”.

في حقيقة الأمر لقد فهمتَ ببساطة الدوافع والمخاوف والمشاعر والأفكار التي حركت هذا اللص الكامن في الإنسان. ولذلك، نشأت بينك وبين هذه الشخصية علاقةٌ وثيقة.

لاحظ أن هناك فرقًا بين فهم أفعال اللص والدفاع عنها؛ وهنا لا يمكن الجزم أنك بدأتَ في الدفاع عن أفعال إيذاء الآخرين، بل مجرد فهمك لدوافع هذه الأفعال. أنت بذلك تنمّي ذكاءك العاطفي وتعزّز تعاطفك. وهذا العالم أكبر من أن يكتشف من خلال شخصية واحدة، بل يجب أن تعيشه بطريقة أو بأخرى من خلال شخصيات متعددة.

السفر عبر الزمن

نفتح دفاتر ملاحظاتنا القديمة، فنخوض رحلة قصيرة عبر الزمن إلى طفولتنا. ماذا عن الكتب التي وجدت قبل وجودنا؟ إن الخيال ليس سوى واقع متنكر في شخصيات أو أشياء خيالية في كتاب.

ليس لدينا فرصة للسفر عبر الزمن فعليًا، ولكن المنظور الساحر الذي تجعلنا نغرم بهذه الفكرة هو تخيّل أن الفرق الوحيد بين السفر عبر الزمن الحقيقي والخيالي هو قدرتنا على تغيير الأحداث والقصص.

يمكننا السفر إلى الماضي (أو حتى إلى المستقبل)، لكن لا يسمح لنا بتغيير الأحداث. نحن هناك لمراقبة العالم كما كان (أو كما سيكون) في ذلك الزمن. هل يعقل أننا قد نفوّت مثل هذه الفرصة؟

وعندما نقرأ رواية، فنحن نبني شخصيات في أذهاننا، ونتخيل ملامحها، ونصمم أجواءها، ونستمع إلى حوارات داخلية مختلفة، وغيرها. كل هذه التفاصيل تجري في أذهاننا في آن واحد ونحن نقلب الصفحات، لنتعلم بناء عوالم متعددة في مخيلتنا.

يميل الكثيرون إلى الواقعية ويتجنبون قراءة الروايات، بينما هذه الأخيرة ليست سوى واقع مقنّع بشخصيات أو أشياء خيالية في كتاب. إنها تمنحنا منظورًا مختلفًا للواقع، خاصةً في المواضيع الجادة والحساسة (فعندما تميل الرواية إلى الخيال، تجعل الموضوع أسهل تقبلًا على القارئ والجمهور). ليس هذا فحسب، بل إنها أيضًا أكثر انفتاحًا على تفسيرات مختلفة، مما يتيح، مرة أخرى، مجالًا أوسع للخيال. 

.

مظهر “المرة الأولى”

من المظاهر التي تميز الأطفال النظر إلى الأشياء بدهشة. تلك الدهشة التي تجعلك تنظر إلى شيء ما، كشجرة أو فراشة، لأول مرة في حياتك.

تتكرر الأفكار والمواضيع في الروايات، ومع ذلك لا نملّ منها أبدًا. السبب ببساطة لأنها تتيح لنا النظر إلى الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا. ولكن من زوايا مختلفة.

فلو قرأتَ روايةً عن رائد فضاء على سطح القمر وأنهيتها. ألن يشتعل شيءٌ ما في عينيك في المرة القادمة التي ترى فيها القمر؟ والكنز حقيقي الذي نجده في الروايات من حفاظ على نظرة جديدة وقلب مندهش يذكرنا بالواقع المتعدد والمختلف.

الرابط المختصر :