تاريخ فن الكروشيه غامض الأصول وغير موثق بشكل كافٍ؛ حيث ظهر في أوروبا خلال القرون الوسطى. أما انتشاره الحقيقي فجاء في القرنين السابع عشر والثامن عشر، ثم ازدهر في القرن التاسع عشر كبديل أرخص للدانتيل. وتحديدًا في أيرلندا وفرنسا، قبل أن يصبح مصدرًا أساسيًا للدخل خلال الحرب العالمية، وفي ظروف المجاعات.
وهناك نظريات تشير إلى أن أصول الكروشيه القديمة تعود في الصين وأخرى تؤكد نشأته في شبه الجزيرة العربية. ومنها انتقل مع القوافل عبر طرق التجارة إلى مناطق شمال البحر المتوسط.
وتم العثور على تقنيات قديمة شبيهة بالكروشيه عند القبائل الأصلية في أمريكا الجنوبية. وفي بعض المناطق في أوروبا كحرفة تقليدية لكنها لم تعرف بالاسم.
دور الملكة فيكتوريا
كانت الملكة فيكتوريا من أوائل المعجبات بهذا الفن، وأسهمت في نشره من خلال شراء الكروشيه الأيرلندي بدلًا من الدانتيل باهظ الثمن. ما ساعد النساء على كسب عيش كريم خلال مجاعة البطاطس عندما لم تكن مزارع عائلاتهن تدرّ عليهن دخلًا.
كما تعلمت الملكة الكروشيه بنفسها وصنعت ثمانية أوشحة لأفراد مختارين من قواتها. الذين كانوا يقاتلون في جنوب إفريقيا. كما أنه من غير الواضح تمامًا ما كانت ترمز إليه هذه الأوشحة، لكن الحصول على واحد منها كان شرفًا عظيمًا. ومع أن الملكة فيكتوريا لم تخترع الكروشيه، إلا أنها جعلته رائجًا في وقت كان ينظر إليه فيه على أنه حرفة متواضعة.

هل كانت فرنسا بلد المنشأ؟
كلمة “كروشيه” مشتقة من الكلمة الفرنسية “croche” التي تعني “خطاف”. يملك الفرنسيون حقوق تسمية الكروشيه، لكن لا يوجد دليل يذكر على أنهم لعبوا دورًا أكبر من أي ثقافة أخرى في تطوير هذه الحرفة. ومع ذلك، فمن المؤسف أن يكون الأمر كذلك، لأننا دائمًا كنا نعتقد أن كل التصاميم. والنسيج الناعم مصدره الثقافة الفرنسية.

هل كانت الصين؟
النظرية الأكثر ترجيحا هي أن الكروشيه نشأ من أسلوب تطريز صيني يسمى “التطريز بالخطاف”. وهو مشابه للكروشيه إلى حد كبير، إلا أنه ينفذ على خلفية قماشية، على غرار التطريز. ولكن باستخدام إبرة دقيقة ذات خطاف في نهايتها. كان التطريز بالخطاف موجودًا أيضًا في تركيا والهند وبلاد فارس وشمال إفريقيا خلال أوائل القرن الثامن عشر.
ووصل التطريز بالخطاف إلى أوروبا في القرن الثامن عشر، وفي ذلك الوقت تقريبًا اكتشف أحدهم أن الغرز تتمتع بمتانة كافية للبقاء. دون الحاجة إلى خلفية قماشية، وكانت هذه هي المرة الأولى التي ظهر فيها الكروشيه بشكله الحديث والمألوف.
واستمر استخدام خطاف التطريز بالخطاف، وبحسب الفرنسيين، أصبح يعرف باسم “الكروشيه في الهواء”، أي “الخطاف” في الهواء. وهذا في الواقع أحد الأسباب التي تجعل الكثيرات يفضلن الكروشيه على الحياكة. ويشعرن براحة كبيرة أثناء الحياكة، وأرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمشروع جسديًا، نظرًا لكثرة الغرز المتحركة فيها. بينما في الكروشيه لا تستخدمن سوى غرزة واحدة أو بضع غرز. ما يمنحهن حرية أكبر.

هل كانت أيرلندا؟
بالعودة إلى الملكة فيكتوريا وولعها بالكروشيه الأيرلندي، ففي القرن التاسع عشر الميلادي، تسببت مجاعة البطاطس في فقر مدقع للعديد من العائلات الزراعية التي كانت تعتمد على دخلها الزراعي. في ذلك الوقت تقريبًا، بدأت سيدة تُدعى الآنسة ريغو دي لا بلانشارديير بتعليم زوجات المزارعين حرفة جديدة، ألا وهي الكروشيه الأيرلندي.
كانت هذه الحرفة مثالية لأوقات المجاعة، إذ كانت تصنع من مواد متوفرة بسهولة. ويمكن ممارستها في أي ظروف جوية (الجفاف، الفيضانات، الشتاء القارس)، وكان المنتج النهائي مرغوبًا فيه لدى الطبقة الراقية. تميز الكروشيه بمظهر الدانتيل الذي كان رائجًا جدًا آنذاك، إلا أن سرعة إنتاجه ساهمت في انتشاره السريع بين الأيرلنديين.
ابتكرت الآنسة ريغو طريقة لحياكة الدانتيل تحاكي التطريز الفينيسي، ولكن بدلًا من أن تستغرق الحياكة 200 ساعة (كما هو الحال في التطريز). انخفض وقت العمل إلى 20 ساعة فقط. وقد ناسب هذا الأسلوب الإنتاج بكميات كبيرة، لأن الحياكة الأيرلندية لا تحاكي في صفوف، بل تتكون من زخارف تصنع بشكل فردي ثم توصل بمراوح أو شبكة. هذا يعني أن صانعي الكروشيه الأيرلنديين كانوا يعملون كالمصانع؛ حيث يتخصص كل عامل في مجال معين وفقًا لمهاراته.
في الواقع، كانت تصاميم الدانتيل الأيرلندية النادرة والفريدة حكرًا على عائلات معينة، وكان صنع هذه الزخارف سرًا محفوظًا بعناية. إذ كانت العائلة تعتمد عليه كمصدر دخلها. كانت الآنسة ريغو أول من نشر كتاب أنماط الكروشيه الأيرلندي في عام 1846.

هل كان ذلك من فعل الرعاة؟
في القرن التاسع عشر، ظهر نمط من الكروشيه يعرف باسم حياكة الرعاة. كان يحاك باستخدام صنارة أكبر وأكثر تسطحا، وصمم خصيصًا لاستخدام خيوط سميكة. كان ينتج نسيجًا كثيفًا، يتكون من غرز منزلقة فقط. ولكن كان من شبه المستحيل الحصول على الغرز الطويلة باستخدام هذا النوع من الصنارات.
في ذلك الوقت تقريبًا. ومع ذوبان الجليد، بدأنا نرى صنارات الكروشيه تتناقص تدريجيًا لتصبح الصنارات التي نعرفها اليوم. كان الكروشيه في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي يتمحور حول القطن المعالج وإبر الكروشيه الصغيرة جدًا. كانت الدانتيل لا تزال رائجة.
وبدأ الكروشيه الشبكي يكتسب شعبية متزايدة. وشهدت الثلاثينيات أيضًا ظهور غرزتي البوب كورن والبوبل مع نهاية العقد. وكانت أكثر المنتجات رواجًا في الكروشيه هي قطع الديكور المنزلي مثل أطقم طاولات الزينة ومفارش الطاولات. وحواف الستائر والبطانيات، وقبعات الأطفال وأطقم الإكسسوارات. وفي هذه الفترة تقريبًا، بدأت أنماط الكروشيه الدينية بالظهور، وبدأت شالات الصلاة بالانتشار.


عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين
كان الكروشيه في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي يتمحور حول القطن المعالج وإبر الكروشيه الصغيرة جدًا. كانت الدانتيل لا تزال رائجة، وبدأ الكروشيه الشبكي يكتسب شعبية متزايدة. وشهدت الثلاثينيات أيضًا ظهور غرزتي البوب كورن والبوبل مع نهاية العقد.
وكانت أكثر المنتجات رواجًا في الكروشيه هي قطع الديكور المنزلي مثل أطقم طاولات الزينة ومفارش الطاولات. وحواف الستائر والبطانيات، وقبعات الأطفال وأطقم الإكسسوارات. وفي هذه الفترة تقريبًا، بدأت أنماط الكروشيه الدينية بالظهور، وبدأت شالات الصلاة بالانتشار.

أربعينيات القرن العشرين
في أربعينيات القرن العشرين، كان الكروشيه يستخدم لإصلاح وتزيين الملابس القديمة. كما استخدم لصنع الأوشحة والقبعات لإرسالها إلى الجنود في الحرب. في ذلك العصر الذي ساد فيه مبدأ التدبير والترميم، كان الكروشيه يستخدم في الغالب كوسيلة لإطالة عمر الملابس القديمة أو إعادة استخدام الخيوط من الملابس المحبوكة البالية.

الخمسينيات
كان هذا العصر الذي انتشرت فيه أنماط الكروشيه وأفكار الأعمال اليدوية بانتظام في مجلات النساء. أما المصممون فكانوا نادرين، إذ كانت الأنماط تشترى منهم وتنشر عبر شركات الغزل كحافز لشراء منتجاتها، أو عبر المجلات التي كانت تفرض رسومًا على طلب النمط عبر البريد. كما واكب الكروشيه صيحات الموضة، وظهرت العديد من الأشكال المستوحاة من ديور في أنماط الكروشيه في تلك الحقبة.

الستينيات والسبعينيات
بلغت غرزة المربع الجدة ذروة شعبيتها في الستينيات والسبعينيات، ودخلت الكروشيه عالم الموضة. لاقت سترات وفساتين وقبعات الكروشيه رواجًا كبيرًا بين شباب تلك الحقبة، كما حظيت الأدوات المنزلية المصنوعة بالكروشيه بشعبية واسعة. أما فن المكرمية، وهو فن الكروشيه الذي لا يحتاج إلى إبرة، فقد حقق نجاحًا ملحوظًا في السبعينيات. حيث زيّنت السلال المعلقة واللوحات الجدارية العديد من الجدران في تلك الفترة.

التعريف بفن الكروشيه
الكروشيه فن سهل وبسيط يستخدم فيه الخيط والصوف غالبًا لعمل أشكال رائعة عن طريق تقنيات مختلفة تجري بخطوات متعاقبة من النسيج بواسطة صنارة لربط الخيط أو باستعمال إحدى الإبر المختلفة الخاصة بالكروشيه على حسب نوع الاستخدام. وبها يمكن إنشاء مجموعات متنوعة من الأشياء الجميلة والمفيدة للمنازل والأشخاص مثل الأوشحة والأغطية والمفروشات المتعددة والملابس وغيرها الكثير.
مميزات فن الكروشيه
- يمكن لأي شخص مهما كان مستواه أن يتعلم الكروشيه بسهولة حتى المبتدئين الذين ليس لهم دراية أو خلفية سابقة عن الحياكة.
- يتيح الكروشيه إمكانية خلق وإبداع التصاميم المتنوعة باستخدام مجموعة كبيرة من الإبر والألوان.
- يمكن للأشخاص المتحمسين للكروشيه إضافة لمسات شخصية خاصة بهم في تصاميمهم. ما يجعل كل قطعة فريدة من نوعها.
- يمثل الكروشيه هواية مفيدة تسهم في تهدئة الأعصاب وتخفيف التوتر، وهو خيار واسع لقضاء أوقات الفراغ في عمل نافع.
- قد يكون فن الكروشيه مصدرًا مفضلًا للدخل ومناسبًا بالنسبة للنساء والفتيات الماكثات بالبيوت.
أنواع الإبر المستخدمة في فن الكروشيه
تختلف أنواع الإبر المستخدمة حسب الحجم والشكل ونوع الخامة وسماكة الخيط ونوع المشروع والتقنية المستخدمة، والشائع منها هو ما يلي:
- الإبر العادية لإنشاء الأشكال الأساسية.
- الإبر الصغيرة لعمل التفاصيل الدقيقة.
- الإبر الكبيرة تستخدم في المفروشات والملابس.
- الإبر المدببة لعمل الأجزاء المدببة في الزهور والأوراق.
- الإبر المنحنية تستخدم في نسج الأجزاء في الأماكن الضيقة.
- الإبر المضيئة هي إبر تضيء في الظلام، مناسبة للعمل في الأماكن ذات الإضاءة المنخفضة.
- الإبر المعدنية إبر صلبة للعمل بها على الجلود والمعادن.
- الإبر المطاطية تتميز بطبقة مطاطية في الأجزاء العلوية منها لتكون سهلة التحكم في اليد.
أنواع الكروشيه
تتعدد أنواعه حسب التقنيات مثل: النوع العادي، والتونسي، الأميجرومي، الأيرلندي، والفري فورم. أما أنواع خيوطه فنجد منها القطن، الصوف، الأكريليك، الحرير، المخمل، البامبو، واللامع.
والغرز المستعملة هي الحشو، عمود، الصدفة، والفيليه. وتصنف الأعمال حسب الاستخدام كالملابس، الديكور، المفروشات، والإكسسوارات.
في السنوات القليلة الماضية، أصبح فن الكروشيه شائعًا للغاية بين المصممين المعاصرين الذين يبتكرون أنماطا عملية وأنيقة للأدوات المنزلية والملابس والألعاب. الحياكة تتغلغل في أعماق النفس وتلامس الروح بطريقة لا تفسر بعيدًا عن ضجيج الحياة.



















