بين الابتسامة الرزينة عند كبار السن والقهقهة العالية عند المراهقين تتأرجح الضحكة التي قال عنها الكبار “يا أبو ضحكة جنان”. فهل يعود سحرها إلى نعومة الصوت ودقته، أم ينبع من رقة ولطف المحيا أم يسبب كمال وجمال بياض الأسنان عند الأطباء؟ لا يهم إن كانت الضحكة بحشرجة خشنة، أو صدرت عن شفاه غليظة مشققة، أم خرجت من فم كشف عن شباك الكآبة. فالأمر عند الباحثين سواء بسبب نظرتهم العلاجية الجادة إليه، لأنها ببساطة تتعلق بالصحة الجسدية والعقلية والنفسية للفرد.
الضحك هو حالة شعورية مستقرة
الضحك مظهر يؤكد وجود الفرد في حالة انشراح صدر صادقت مؤثرًا بروح الفكاهة فتجاوبت معه، حالة نابعة بعد الشعور بالاستقرار النفسي والاسترخاء العضلي والفكري الطارد لدواعي القلق ومسببات الاضطراب أولًا. إنها حالة اتزان كامل باعثة على السرور.
وفي مثل هذه الحالة يصبح لدى الإنسان قابلية كبيرة لروح الدعابة والفكاهة والسماع إلى الطرائف، ومنه يكون التأثر بالضحك، أي إن فعل الضحك هو نتيجة الحالة شعورية مستقرة وسابقة عليه، وليس هو بالضرورة السبب في تشكيلها.
وغالبًا ما يكون أساس هذه الحالة القناعة والرضا والطمأنينة، بمعنى أن الضحك لا يؤشر دائمًا على ما ستكون عليه الحالة النفسية بشكل عام وليس مؤسس لها، فمن ذا الذي يدعي أنه استطاع إضحاك أحدهم أثناء تشييع جثمان عزيز عليه وكم من الأشخاص الذين يهربون من واقعهم المزري بقضاء وقت في اللهو الزائف لمجرد الخروج من غمامة الحزن، ولكن لم تنبع ضحكاتهم من القلب، وكم الذين انطبق عليهم القول: شر البلية ما يضحك!!..
ومع ذلك يركز الباحثون اهتماماتهم على أثر فعل الضحك في النفوس، ويجتهد الأطباء في دراسة وبحث انعكاساته على الصحة العامة. ونتائج الدراسات كلها جاءت تؤكد تأثير قوة فعل الضحك في حياة الإنسان وسعادته.وسيلة للتخلص من الضغط العصبي
للضحك تأثير علاجي، إذ يؤكد الأطباء أنه يحمي الأوعية الدموية ويعزز وظائفها، كما أنه وسيلة للتخلص من الضغط العصبي بتحريك عضلات الوجه والجسم كله. فيزيد من نشاط الدورة الدموية ومن استهلاك الجسم للطاقة؛ ما يساعد بالتالي على التخلص من عوامل الإجهاد.
ويؤثر الضحك على إفراز الهرمونات في الدماغ والغدد الصماء التي تشارك تنظيم مستوى سكر الدم. ويعزز الجهاز المناعي لدى الإنسان ويحميه من التوتر.
الضحك.. سر تماسك بناء كيان الإنسان
وحديثًا توصلت الدراسات أن الضحك يعالج أمراض القلب ويجعل البشرة ناعمة الخالية من التجاعيد، إلا أن وجود القابلية للضحك أساسًا تتوفر عند الإنسان المتفائل، المؤمن الواعي والقادر على التعامل الإيجابي مع مشاكل الحياة ومواجهة مصاعبها بكل شجاعة وثقة في النفس، وهو إنسان عادة ما يتمالك أعصابه، قادر على امتصاص الغضب وليس من السهل إثارته. يعرف كيف يتقبل الألم ويتعامل معه ويتحمله.
وعليه فمفتاح من الضحك هو سر تماسك بناء كيان الإنسان، والتماسك في حد ذاته دليل على الصحة البدنية والنفسية. لأن سبب شجاعة الإنسان في مواجهة الأمور الصعبة نابعة من تماسكه وليس عن توتره.
ويفهم من طبيعة هذه الصفات التي ليست متوفرة عند الناس جميعًا أنها صفات مكتسبة من ظروف التنشئة الأولى التي تتباين منطلقاتها بين مختلف الأسر والعائلات في المراحل المبكرة من سنوات الطفولة. أي إنها ليست فطرية، وعليه لا يمكننا أن نتوقع الضحك كرد فعل هو نفسه تجاه موقف معين عند كل الناس.
وهناك ما قيل عن الحرص على توفير أقصى ما يمكن من مظاهر البهجة والسرور لخلق أجواء السعادة وتهيئة النفوس لتفادي مسببات العكننة، وتجنب الأحاديث المهيجة للأعصاب من جهة، ومن جهة أخرى التمهيد لضمان استقبال المؤثرات الطريقة بشيء من الضحك.
المظهر الإيجابي في الرسالة
ما أجمل أن يكون للضحك معنى وقيمة! أي أن تحمل الضحكة رسالة إعجاب مطلوب أو تشجيع واجب أو تحفيز مرغوب وهذا هو المظهر الإيجابي في الرسالة. أيضًا مظهرها السلبي بأن يكون الضحك على سبيل السخرية من موقف والتحقير من قيمة شيء أو الاستهزاء من حديث ورأي. وفي الحالتين الإيجابية والسلبية سيكون للضحك أثره البالغ في النفوس.
لكن الإفراط في الضحك وسط الملأ وكثرته دون داع يتطلبه، أو سبب يحدثه، أو مناسبة تقتضيه يقلل من شأن صاحبه ويضيع هيبته، ويحط من وقاره، وقديمًا قيل: “إن الضحك دون سبب قلة الأدب”.

كما أنه بهذا الشكل المفرط والمبالغ فيه يخفض كثيرًا من مستوى تحفز القلوب أمام مهمة الوفاء بالالتزامات ويضعفها تجاه النهوض بالمسؤوليات ويفتر توثبها للقيام بالواجبات.
مجتمعات كثيرة أدركت أهمية الضحك في حياتها كقيمة مستمدة من وجودها لتجديد حيويتها واستمرار نشاطها. ومن ذلك انتشار بث أشرطة فيديو كوميدية للمرضى في المستشفيات من أجل بعث السرور في نفوسهم ورفع روحهم المعنوية.
وكذلك الأمر في المدارس ودار الأيتام والعجزة. حيث توفر الإدارة برامج عروض حية للمهرجين للترويح ونزع العبوس والرتابة والكآبة من يومياتهم. وإزالة مشاعر القلق والإحباط من نفوسهم وتبلد رغبتهم في الحياة. ومنه يتأكد أن الضحك وسيلة مهمة من وسائل التكيف مع ما يتسلل إلى الوجدان من هموم. وما تعلق من الشوائب المتراكمة بجوانب الشخصية من قلق وعصبية وعدائية جراء المشاكل اليومية المختلفة.
الرابط المختصر :





















