الابتعاد عن التناول المألوف لكل ما هو مألوف: “خرائط النسيان”.. مأساة مثقف عربي

كتب: محمد علواني
صدر، مؤخرًا، عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في بيروت وعمان، رواية “خرائط النسيان” للروائي محمد رفيع.
وبهذه المناسبة، أقامت مكتبة عبد الحميد شومان العامة، وضمن برنامج قراءات، حفل توقيع وإشهار للرواية، والذي شارك فيه وحضره العديد من المهتمين بالشأن الثقافي، بينما أدار الحوار مع الحضور الدكتور زهير توفيق.
وبهذه المناسبة، قال الكاتب والمؤلف وليد حسني: “إن خرائط النسيان حكاية الراوي الساحر الذي يبدأ سرديته من ثقب الباب، وينهيها بفقدانه لبصره بسبب “لطخة دم” أصابته من ثقب الباب الذي كان ينظر منه لواقعنا، فكفت عينه عن ممارسة القدرة على الإبصار”.
وأضاف “حسني” أن قراءة الخرائط تحتاج، بالضرورة، لتبصر المستقبل، ورؤية الواقع ببصيرة، تجتاز الرواية إلى (رؤيا)، وهو، ربما، ما يتسق تمامًا مع مناخ الرواية، التي تتكئ على الالتقاط الذكي التي بنى الراوي روايته على أساسها”.
واعتبر “حسني” أن “خرائط النسيان” سيرة لمسرحي عربي “يوسف المعني”، الذي يمثل بالنسبة ليّ حالة النخبة العربية المثقفة الخائفة المرتجفة التي لا تقوى على إحداث أي تأثير، أو تغيير في مجتمعها.
ولاحظ الكاتب أن أهم ما تريد “خرائط النسيان” تأكيده هو إدانة الجمهور العربي، الشارع، والناس، حتى المسرحية المرتجلة التي كان يوسف المعني يريد عرضها في عمان ضمن “المسرح المرتجل” كانت تنبني على إشراك الجمهور في إعادة الفرجة على حادثة اغتصاب خطيبته.
من جهته، قدم الكاتب نضال القاسم، ورقة بعنوان “الهندسة التعبيرية والتشكيل الجمالي.. المكان ودلالته الجمالية في رواية خرائط النسيان”، والتي أكد فيها أن قوة الرواية تكمن في بحثها عن التجديد عبر كل المستويات، واختراق كافة الحقول والأشكال؛ بقصد صوغ صيرورات الرؤى والعلاقات، عبر التجريب، والابتعاد عن التناول المألوف لكل ما هو مألوف.
وحسب “القاسم”، فإن أحداث الرواية مرتكزة على التوالي والتتابع السردي، رغم أن الكثير من التقنيات السردية، التي استعملت، تكسر من هذا التتابع بواسطة الاستحضار والحوار والتداعي المتكرر، وبث حكايات متعددة بتعدد الأحداث، والشخصيات والخطابات اللغوية الملائمة لأجواء الرواية.
واعتبر الكاتب نضال القاسم، أن أهم ما يميز إبداع محمد رفيع هو المصداقية والواقعية في سرد الأحداث، وكشف النقاب عن الجوانب الخفية للحدث الذي يعيشه الناس، متناولًا معظم الأحداث العالمية في العشرين سنة الماضية.
ورأى “القاسم” أن محمد رفيع يرسم صورة لعمان، بعد أن تبدلت معالمها، ومسحت حاراتها، معتمدًا على استرجاع الماضي البعيد للمدينة، فضلًا عن رسم الشخصيات، والأمكنة والأحداث، مع الاتكاء على التراث، والسرد، وأدوات الكتابة المسرحية.
وأشار إلى أن الرواية قدمت تصورًا عميقًا للحالة العربية التي تعاني التفكك والانعزال، وتوقع كذلك، سلسلة من الهزائم تبدأ بسقوط الشعارات الواهية التي كانت تطلقها الأنظمة العربية، التي جعلها غلافًا أخيرًا لروايته من أجل أن يخبرنا عن مدى هشاشة هذه الأنظمة وشعاراتها الزائفة.
ورأى الراوي محمد رفيع أن روايته تحلق بقارئها في القاهرة، وعمّان، ونيويورك، وبغداد، وإسطنبول، من خلال قصّة مثقّف عربي “يوسف المعني”؛ بطل الرواية، وهو كاتب ومخرج مسرحي، يتعرّض لصدمة نفسيّة حادّة، بعد اغتصاب صديقته أمامه، بوحشية، في وضح النهار، في ميدان العتبة في القاهرة، في ربيع العام 1992.
وأضاف: “تتضمّن الرواية عملًا مسرحيًّا، يتمّ الوصول إلى اللحظة النفسيّة والاجتماعية العربية الراهنة، بكل ما وصلت إليه الأحوال من انتهاك واستباحة، ودخول أطراف إقليمية في التأثير على خيارات بطل الرواية، وفيها يعاني البطل عجزًا وخضوعًا، وخيارات متردّدة بالرحيل، تبدأ من اسطنبول وتنتهي في نيويورك، من خلال مرضه النفسيّ”.
بدوره، قال زهير توفيق، في معرض تقديمه للحفل: “هي رواية مختلفة سواء من حيث التجديد في البناء الروائي، أو من حيث الجرأة فيما تناولته من موضوعات، وهي، علاوة على كونها عملًا روائيّا متكامل العناصر والأركان، تتضمّن عملًا مسرحيًّا هو من صلب نسيج الرواية”.
وأضاف أن رواية “خرائط النسيان” تشمل على أجزاء من كتاب علميّ في علم النفس كبعض من نسيج الرواية، مبينًا أن في الأعمال الثلاثة، التي تأخذ شكل الرواية، في البناء والسرد والحبكة، في بناء متّسق ومتسامٍ في تصاعد أحداثه وشخوصه وأمكنته، يحلّق القارئ مع لغة الرواية العالية، التي تحمل قارئها من أرض واقعه إلى سماءات أخرى.
يُذكر أن الروائي محمد رفيع من مواليد العام 1962م، له العديد من الكتب الوثائقية في التاريخ الاجتماعي، والسياسي، والعمراني، والفني.

الرابط المختصر :