في عالم يشهد تقدمًا سريعًا في استخدامات التكنولوجيا النووية، من المفاعلات إلى التطبيقات الطبية، تظل التساؤلات حول آثار الإشعاع النووي على صحة الإنسان محل جدل علمي وقلق اجتماعي. فبينما يستفيد البشر من الطاقة النووية، يظل الوجه الآخر لهذا التقدم مشوبًا بالخطر، خاصة عندما يتعلق الأمر بتأثير الإشعاع على الجينات واحتمالية حدوث طفرات تنتقل عبر الأجيال.
في هذا التقرير، نسلط الضوء على العلاقة بين التعرض للإشعاع النووي وحدوث الطفرات الجينية، مستندين إلى أبحاث ودراسات موثقة من هيئات علمية مرموقة.

ما هو الإشعاع النووي؟
الإشعاع النووي هو نوع من الإشعاع المؤين، أي القادر على إحداث تغييرات في تركيب الذرات داخل الخلايا، وخصوصًا الحمض النووي (DNA). هذا النوع من الإشعاع ينتج من مصادر طبيعية مثل الأشعة الكونية، أو من مصادر صناعية مثل المفاعلات النووية، الحوادث النووية، وأجهزة التصوير الطبي كالأشعة السينية.
كيف يؤثر الإشعاع على الحمض النووي؟
عند تعرض الخلايا للإشعاع، يمكن أن تحدث تلفيات مباشرة في الحمض النووي، أو تنتج جذور حرة تؤدي إلى تلف غير مباشر. أخطر هذه الأضرار هي الكسور المزدوجة في سلسلة الحمض النووي، والتي قد يتم ترميمها بطريقة خاطئة تؤدي إلى طفرات جينية.
هذه الطفرات قد لا تظهر آثارها فورًا، بل تتراكم وتُسبب أمراضًا مزمنة أو سرطانية مع مرور الوقت.
الطفرات الجينية: وراثية أم غير وراثية؟
تشير الدراسات إلى نوعين رئيسيين من الطفرات الناجمة عن الإشعاع:
-
الطفرات غير الوراثية (السوماتية): تحدث في خلايا الجسم ولا تُنقل للأبناء، لكنها تزيد خطر الإصابة بأمراض مثل السرطان.
-
الطفرات الوراثية (الجرثومية): تحدث في الخلايا التناسلية وقد تُنقل إلى الأبناء، وهو الأمر الذي يثير مخاوف أكبر على المدى البعيد.
ورغم المخاوف، إلا أن الأدلة العلمية حتى الآن لم تُسجل زيادات كبيرة في التشوهات الوراثية بين أبناء الناجين من الكوارث النووية مثل هيروشيما، ناغازاكي وتشيرنوبل.
تشيرنوبل: الكارثة التي أشعلت الجدل
وفقًا لـ “science”بعد انفجار مفاعل تشيرنوبل عام 1986، خضعت آلاف الأسر للمراقبة والفحوصات. وقد خلصت دراسات نشرت في مجلة Science عام 2021 إلى أن الأطفال المولودين لآباء تعرضوا للإشعاع لا يحملون طفرات وراثية أعلى من المعدلات الطبيعية، ما فاجأ الكثير من الباحثين.
لكن في المقابل، لوحظت طفرات جينية في أورام الغدة الدرقية لدى الأطفال، مما يدل على أن الإشعاع قد لا يورث دائمًا الطفرات، لكنه بالتأكيد يزيد خطر الإصابة بها خلال حياة الفرد نفسه.

الدراسات على الحيوانات: مؤشرات تحذيرية
في تجارب على الفئران، أدى تعرضها لجرعات مرتفعة من الإشعاع (أكثر من 3 غراي) إلى زيادة واضحة في معدلات الطفرات، وخاصة في ما يعرف بـ”المناطق المتغيرة” من الجينوم، مثل الـminisatellites. هذه النتائج تشير إلى إمكانية انتقال بعض التأثيرات عبر الأجيال، وإن كان ذلك نادر الحدوث في البشر.
خطر الإشعاع في الاستخدامات الطبية واليومية
لا تقتصر مصادر الإشعاع على الكوارث النووية. فالفحوصات الطبية مثل الأشعة المقطعية والأشعة السينية تعد مصادر يومية للإشعاع. ومع أن الجرعات المستخدمة في الطب منخفضة نسبيًا، إلا أن التعرّض المتكرر دون مبرر طبي قد يزيد من مخاطر الطفرات. خصوصًا عند النساء الحوامل أو الأطفال.
وفقًا للجنة الدولية للوقاية من الإشعاع (ICRP)، فإن التعرض لجرعة 1 غراي قد يضاعف من خطر حدوث طفرات وراثية في الخلايا التناسلية، رغم أن هذا لا يحدث في العادة خلال الإجراءات الطبية المعتادة.
الإشعاع والإبيجينوم: أثر خفي ومتوارث
بعيدًا عن الطفرات الجينية المباشرة، أثبتت أبحاث حديثة أن الإشعاع قد يحدث تغييرات في التعبير الجيني دون المساس بتسلسل الحمض النووي. من خلال ما يعرف بالتغيرات “الإبيجينية”. هذه التغييرات قد تنتقل أحيانًا من جيل إلى آخر، مؤثرة في الاستعداد للأمراض أو طرق استجابة الجسم للبيئة.
التغيرات الجينية التى يسببها الإشعاع النووي
| جوانب التأثير | الخلايا السوماتية | الخلايا التناسلية |
|---|---|---|
| الطفرات بدون وراثة | تزيد احتمال السرطانات، خاصة عند الجرعات العالية/المتكررة | — |
| الطفرات الوراثية المباشرة | — | لم تسجّل زيادة ملحوظة في البشر حتى الآن |
| الطفرات غير المباشرة (إبيجينية) | ممكنة ويمكن توريثها | ممكنة ولكن الأدلة البشرية لا تزال ضعيفة |
الخلاصة الفعلية: يشكل الإشعاع النووي خطرًا ملموسًا لطفرات الحمض النووي في خلايا الجسم. مع تداعيات على السرطان على المدى الطويل. ولكن الخطر المباشر لانتقال الطفرات إلى الأجيال القادمة يبدو محدودًا وفق الأدلة البشرية الحالية. رغم إمكانية وجود تغييرات إبيجينية متوارثة. مع ذلك، يظل التعامل بحذر هو النهج المتّبع، خصوصًا لتفادي التعرض غير الضروري للإشعاع المؤين.



















