الأطفال يقلدون ما يرونه لا ما نطلبه منهم فقط

قد تكررين على طفلك عشرات المرات أن يرتب ألعابه، ويتحدث باحترام، ويعتذر عندما يخطئ، ثم تكتشفين أنه لا يزال يكرر السلوك نفسه. وفي المقابل، قد تجدينه يقلد تصرفًا تقومين به أمامه من دون أن تطلبي منه ذلك.

السبب بسيط الأطفال لا يتعلمون من الكلمات وحدها، بل يراقبون من حولهم ويتعلمون من الطريقة التي يتصرف بها الأشخاص الأقرب إليهم. فنبرة الصوت، وطريقة التعامل مع الغضب، وكيفية الاعتذار وحل الخلافات، كلها دروس يلتقطها الطفل من الحياة اليومية، حتى عندما لا ننتبه إلى أننا نعلّمه شيئًا.

7 طرق لتعلم طفلك تنفيذ المهام المطلوبة منه بكفاءة - اليوم السابع

هل يتعلم الأطفال من القدوة أكثر من النصائح؟

منذ سنوات الطفولة المبكرة، يعتمد الطفل بدرجة كبيرة على الملاحظة والتقليد لفهم العالم من حوله. فهو لا يراقب ما يفعله والداه فقط، بل ينتبه أيضًا إلى طريقة حديثهما، وردود أفعالهما، وكيفية تعاملهما مع الآخرين.

لذلك، قد تكون تصرفاتك في بعض المواقف أكثر تأثيرًا من النصيحة التي تقدمينها له. فإذا طلبتِ من طفلك أن يتحدث بهدوء بينما يراكِ تصرخين كلما شعرتِ بالغضب، فقد يجد صعوبة في فهم الرسالة التي تحاولين إيصالها إليه. أما عندما يراكِ تتوقفين للحظة وتهدئين نفسك قبل الرد، فأنت تمنحينه مثالًا عمليًا على الطريقة التي يمكن بها التعامل مع الانفعال.

القدوة لا تعني أن تكوني مثالية

ليس مطلوبًا منكِ أن تكوني أمًا لا تغضب ولا تخطئ ولا تفقد صبرها. فهذا غير واقعي، وقد يكون الخطأ نفسه فرصة جيدة للتعلم. إذا رفعتِ صوتك على طفلك ثم أدركتِ أن رد فعلك كان قاسيًا، يمكنك الاعتذار له ببساطة وشرح ما حدث كنت غاضبة، لكن كان بإمكاني أن أتحدث معك بطريقة أفضل.

بهذه الطريقة، يتعلم الأطفال أن الاعتذار لا يقلل من قيمة الإنسان، وأن الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية جزء من العلاقات الصحية. فالقدوة الحقيقية لا تعني غياب الأخطاء، وإنما الطريقة التي نتعامل بها معها.

3 نصائح لتأسيس أسرة متعاونة

السلوك اليومي يعلّم أكثر مما نتوقع

قد لا يحتاج الطفل إلى محاضرة طويلة عن الاحترام حتى يتعلمه. عندما يراكِ تستمعين إلى الآخرين من دون مقاطعة، وتشكرين من يقدم لكِ المساعدة. وتحترمين خصوصية الناس، فأنت تقدمين له أمثلة حية لما تعنيه هذه القيم.

والأمر نفسه ينطبق على السلوكيات السلبية. فإذا اعتاد الطفل رؤية السخرية من الآخرين أو الصراخ أثناء الخلافات. فقد يبدأ في اعتبار هذه التصرفات طرقًا طبيعية للتعامل مع المشكلات. لذلك، فإن البيئة التي يعيش فيها الطفل تشكل جزءً مهمًا من الطريقة التي يتعلم بها التواصل مع الآخرين.

النصائح مهمة.. لكنها تحتاج إلى نموذج عملي

لا يعني الاعتماد على القدوة أن نتوقف عن توجيه الأطفال أو شرح القواعد لهم. فالطفل يحتاج إلى معرفة ما هو السلوك المقبول وما المتوقع منه، خصوصًا عندما يواجه موقفًا جديدًا. لكن النصيحة تصبح أكثر وضوحًا عندما يرى الطفل تطبيقها أمامه.

يمكنك مثلًا أن تقولي له عندما نغضب، لا نضرب الآخرين، بل نخبرهم بما أزعجنا. ثم تساعدينه على استخدام هذه الطريقة عندما يختلف مع أخيه أو أحد أصدقائه. هنا لا يسمع الطفل القاعدة فقط، بل يراها ويجربها أيضًا.

This may contain: a man helping a young boy put on his tie while he looks at the camera

لا تطلبي منه التحكم في مشاعره وأنت تمنعينه من التعبير عنها

يظهر تأثير القدوة بشكل واضح عند التعامل مع الغضب والمشاعر القوية. قد يرغب الوالدان في أن يتوقف الطفل عن البكاء أو الصراخ فورًا، لكن من المهم أن يتعلم أولًا أن الغضب والحزن والخوف مشاعر طبيعية. وأن المشكلة ليست في وجودها، وإنما في الطريقة التي نعبر بها عنها.

عندما تقولين مثلًا أنا غاضبة الآن، لذلك سأجلس قليلًا حتى أهدأ، فأنت تعلمينه أن الإنسان يستطيع الشعور بالغضب من دون أن يؤذي الآخرين. ومع تكرار هذا النموذج، يبدأ الطفل في اكتساب طرق أكثر هدوءًا للتعامل مع انفعالاته.

3 نصائح تساعدك على تأسيس أسرة متعاونة | نواعم

علاقتك بالآخرين درس يراه طفلك

لا يتعلم الطفل من الطريقة التي تعاملينه بها فقط، بل يراقب أيضًا أسلوبك في التعامل مع الأشخاص من حولك عندما يراكِ تحترمين العاملين، أو تعتذرين عندما تخطئين، أو تختلفين مع شخص آخر من دون إهانة أو تقليل من شأنه.

فإنه يتعلم بصورة غير مباشرة كيف تبدو العلاقة القائمة على الاحترام. وقد تكون هذه التفاصيل اليومية أكثر تأثيرًا مما نتخيل، لأنها تتكرر أمامه بشكل طبيعي ومن دون أن يشعر بأنه يتلقى درسًا.

اشرحي له سبب تصرفك

رغم أهمية أن يراكِ طفلك تتصرفين بطريقة جيدة، من المفيد أيضًا أن توضحي له أحيانًا سبب هذا التصرف. إذا كنتِ غاضبة وابتعدتِ قليلًا قبل التحدث، يمكنك أن تقولي “كنت منزعجة، لذلك أخذت بعض الوقت حتى أهدأ وأتحدث بطريقة أفضل”. بهذه الطريقة، لا يكتفي الأطفال بتقليد السلوك، بل يبدأون في فهم الفكرة التي تقف وراءه، وهذا يساعدهم على نقلها وتطبيقها مع مواقف أخرى.

This may contain: a young boy sitting at a desk with money and cell phone

ماذا تفعلين عندما تكتشفين أنكِ لا تقدمين النموذج الذي تريدينه؟

لا تحاولي تغيير كل شيء دفعة واحدة. اختاري سلوكًا واحدًا تريدين أن يتعلمه طفلك، وابدئي بمراقبة الطريقة التي تتعاملين بها معه خلال اليوم.

إذا كنتِ تريدينه أن يتحدث بهدوء، انتبهي إلى نبرة صوتك. وإذا كنتِ تريدينه أن يعتذر عندما يخطئ، لا تترددي في الاعتذار له عندما تخطئين أنتِ. وإذا كنتِ تريدينه أن يحترم الآخرين، دعيه يراكِ تمارسين هذا الاحترام في حياتك اليومية. ومع الوقت، يصبح السلوك الذي يراه الطفل باستمرار جزءًا من الصورة التي يبنيها عن الطريقة الطبيعية للتعامل مع الآخرين.

أنتِ لستِ مطالبة بأن تكوني قدوة مثالية

في النهاية، يتعلم الطفل من النصائح، لكنه يتعلم أيضًا من كل ما يراه ويسمعه في محيطه. لذلك لا يكفي أن نقول له ما ينبغي أن يفعله. بل من المفيد أن نمنحه فرصة لرؤية هذا السلوك في الحياة اليومية.

والقدوة لا تعني أن يرى الطفل أمًا لا تخطئ، وإنما أن يرى أمًا تحاول، وتخطئ، وتعتذر، وتهدأ، وتتحمل مسؤولية تصرفاتها. فربما تكون الرسالة التي يسمعها منكِ عشرات المرات أقل تأثيرًا من موقف واحد يراكِ فيه تفعلين بالضبط ما تطلبينه منه.

الرابط المختصر :