لا تقتصر أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD) على صعوبة التركيز أو الاندفاع وفرط النشاط. إذ قد يواجه بعض المصابين به أيضًا تحديات مرتبطة بتنظيم المشاعر وتقلب المزاج. فقد ينتقل الشخص أحيانًا بسرعة من الحماس الشديد إلى الإحباط. أو من الهدوء إلى الغضب والانفعال، ما قد يؤثر في علاقاته وحياته اليومية وقدرته على أداء مهامه.
ولا تعني هذه التقلبات بالضرورة الإصابة باضطراب مزاجي آخر، لكنها قد تكون جزءً من الصعوبات التي يواجهها بعض المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، خصوصًا مع الضغوط اليومية، وقلة النوم، وعدم انتظام الروتين.
والخبر الجيد أن هناك مجموعة من العادات والإستراتيجيات التي يمكن أن تساعد على تحسين تنظيم المزاج وتقليل العوامل التي تزيد من حدّة التقلبات.
1. الحركة.. وسيلة طبيعية لتحسين المزاج
تعد ممارسة النشاط البدني من الوسائل البسيطة التي يمكن إدخالها إلى الروتين اليومي للمساعدة في تحسين الحالة النفسية. فالمشي، والجري، والسباحة، وركوب الدراجة، وغيرها من الأنشطة يمكن أن تساعد على تخفيف التوتر وتعزيز الشعور بالنشاط.

ولا يشترط أن تكون التمارين شاقة أو طويلة؛ فالانتظام أهم من المدة الكبيرة. ويمكن حتى لفترة قصيرة من النشاط البدني أن تمنح الشخص فرصة لكسر دائرة التوتر والانفعال وتحسين حالته المزاجية.
كما يمكن أن تكون اليوغا والتأمل وتمارين التنفس خيارات مناسبة لبعض الأشخاص، خصوصًا لمن يعانون مستويات مرتفعة من التوتر.
2. اكتب ما تشعر به
قد يكون تدوين المشاعر وسيلة عملية لفهم التقلبات المزاجية بدل التعامل معها باعتبارها تغيرات مفاجئة وغير مفهومة.
ويمكن تخصيص بضع دقائق يوميًا لكتابة الحالة المزاجية، والأحداث التي سبقتها، وطريقة الاستجابة لها. ومع مرور الوقت، قد تظهر أنماط متكررة تكشف بعض المحفزات؛ مثل ضغط العمل أو الدراسة، أو قلة النوم، أو الخلافات، أو الإفراط في استخدام المنبهات.
ولا يقتصر دور الكتابة على رصد المشاعر، بل يمكن أن تساعد أيضًا على تفريغ الأفكار وتنظيمها والنظر إلى المواقف بطريقة أكثر هدوءً.
3. الغذاء المتوازن.. دعم للدماغ والمزاج
لا يوجد حتى الآن نظام غذائي واحد ثبت أنه يعالج اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أو يمنع تقلبات المزاج بصورة مؤكدة. كما أن العلاقة بين بعض الأطعمة وأعراض الاضطراب لا تزال موضع بحث.

ومع ذلك، يبقى اتباع نظام غذائي متوازن خيارًا مهمًا للصحة العامة. وتشمل الخيارات المفيدة تناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة ومصادر البروتين والدهون الصحية، مع الحد من الإفراط في الأطعمة شديدة التصنيع والسكريات المضافة.
وتحظى أحماض أوميغا 3 الدهنية باهتمام بحثي في مجال صحة الدماغ، وهي موجودة خصوصًا في الأسماك الدهنية مثل السلمون والسردين والتونة.
وفي المقابل، ينبغي الانتباه إلى الإفراط في تناول الكافيين. فالقهوة والشاي قد يزيدان اليقظة لدى بعض الأشخاص. لكن الجرعات المرتفعة من الكافيين قد تؤدي إلى التوتر والقلق والعصبية واضطراب النوم. وهي عوامل يمكن أن تجعل التحكم في المزاج أكثر صعوبة.
أما التدخين والكحول، فإلى جانب أضرارهما الصحية المعروفة، يمكن أن يؤثرا في النوم والمزاج. ولذلك فإن تجنبهما أو الحد منهما خيار أفضل للصحة العامة.
4. لا تستهِن بأهمية النوم
النوم المنتظم عنصر أساسي في تنظيم المزاج والانتباه. وقد يجد بعض المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه صعوبة في الدخول إلى النوم أو الحفاظ عليه. كما يمكن لبعض الأدوية المنبهة أن تؤثر في النوم لدى بعض الأشخاص، خصوصًا إذا لم تُستخدم وفق التوجيه الطبي.
ويؤدي الحرمان من النوم بدوره إلى زيادة التعب وسرعة الانفعال وصعوبة التركيز، ما قد يجعل التحكم في المشاعر أكثر تحديًا.

لذلك، من المفيد الالتزام بموعد ثابت نسبيًا للنوم والاستيقاظ، وتقليل العوامل التي تعيق النوم، والانتباه إلى أي أعراض مستمرة مثل الشخير الشديد أو انقطاع التنفس أثناء النوم.
وفي حال وجود مشكلة واضحة في النوم، ينبغي مناقشتها مع الطبيب، لأن بعض اضطرابات النوم قد تتداخل أعراضها مع أعراض اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
5. اجعل الروتين حليفك
قد يبدو الالتزام بجدول يومي أمرًا بسيطًا، لكنه يمكن أن يكون مفيدًا للأشخاص الذين يواجهون صعوبة في التنظيم وإدارة الوقت.
ويساعد وجود روتين واضح على تقليل القرارات اليومية الصغيرة التي قد تسبب التشتت، كما يمنح الشخص إحساسًا أكبر بالسيطرة على يومه.
ومن الأفكار العملية الاحتفاظ بالأغراض المهمة، مثل المفاتيح والهاتف، في أماكن ثابتة، وتحديد أوقات تقريبية للنوم والاستيقاظ، واستخدام التقويم أو تطبيقات التذكير لتسجيل المواعيد والمهام. وكلما كان الروتين واقعيًا وقابلًا للتطبيق، زادت فرص الاستمرار عليه.
6. امنح نفسك وقتًا في الطبيعة
يمكن للخروج إلى الأماكن المفتوحة وقضاء بعض الوقت في الطبيعة أن يكون وسيلة بسيطة لتخفيف الضغط النفسي واستعادة التركيز.

وقد يكون ذلك من خلال المشي في حديقة، أو ممارسة رياضة في الهواء الطلق، أو التنزه، أو ركوب الدراجة. وتجمع هذه الأنشطة بين الحركة والتعرض للبيئة الخارجية، ما قد يساعد على تقليل التوتر وتحسين الشعور العام.
كما أن الابتعاد لفترة قصيرة عن الشاشات والمحفزات الرقمية يمكن أن يمنح العقل فرصة للراحة وإعادة تنظيم الانتباه.
7. حوّل التركيز الشديد إلى نقطة قوة
من المفارقات التي قد يواجهها بعض المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه أنهم لا يعانون دائمًا من ضعف التركيز. بل قد يجدون أنفسهم أحيانًا في حالة من التركيز الشديد على نشاط أو موضوع يثير اهتمامهم.
وقد يستمر هذا التركيز لفترات طويلة عندما يكون الشخص شغوفًا بما يقوم به. سواء كان ذلك في الرياضيات أو البرمجة أو الموسيقى أو التصميم أو الرياضة أو غيرها من المجالات.
ويمكن الاستفادة من هذه الخاصية من خلال اكتشاف المجالات التي تجذب اهتمام الشخص وتوجيه قدر أكبر من طاقته إليها. فالنجاح في مجال يحبه قد يعزز الثقة بالنفس ويمنحه شعورًا بالإنجاز، وهو ما يمكن أن ينعكس إيجابًا على حالته النفسية.
لكن من المهم أيضًا تعلم الانتقال من المهام الممتعة إلى المهام الضرورية. لأن التركيز الشديد قد يتحول أحيانًا إلى عائق إذا جعل الشخص يهمل النوم أو العمل أو الالتزامات الأخرى.

8. لا تقلل من قوة الفكاهة
قد تساعد الفكاهة والقدرة على التعامل مع بعض المواقف بخفة على تخفيف التوتر وإعادة النظر إلى المشكلات من زاوية مختلفة.
ولا يعني ذلك تجاهل المشاعر الصعبة أو السخرية من المعاناة، وإنما منح النفس مساحة للتوقف عن التفكير السلبي المستمر. فالضحك والتواصل مع أشخاص إيجابيين ومشاهدة محتوى ممتع قد يكون جزءًا من أسلوب حياة يساعد على تخفيف الضغوط اليومية.
متى تصبح تقلبات المزاج بحاجة إلى تقييم متخصص؟
من المهم عدم افتراض أن كل تغير في المزاج مرتبط باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. فإذا كانت التقلبات شديدة أو متكررة، أو أثرت بصورة واضحة في الدراسة أو العمل أو العلاقات، فمن الأفضل استشارة مختص في الصحة النفسية.
كما تستدعي التغيرات الحادة في المزاج، أو فترات طويلة من الحزن أو القلق، أو التغيرات الكبيرة في النوم والطاقة والسلوك، تقييمًا طبيًا للتأكد من عدم وجود حالة أخرى مصاحبة.
ويختلف التعامل مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من شخص إلى آخر. وقد يشمل العلاج الأدوية أو العلاج النفسي والسلوكي أو مزيجًا من الأساليب، بحسب الحالة وتقييم المختص.

لا توجد طريقة واحدة تناسب جميع المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه. لكن بناء مجموعة من العادات اليومية البسيطة قد يساعد على تحسين القدرة على تنظيم المشاعر والتعامل مع الضغوط.
فالنشاط البدني، والنوم المنتظم، والغذاء المتوازن، والروتين الواضح، وتدوين المشاعر، وقضاء الوقت في الطبيعة. واستثمار نقاط القوة، كلها خطوات يمكن دمجها تدريجيًا في الحياة اليومية.
والأهم هو عدم النظر إلى تقلبات المزاج باعتبارها ضعفًا في الشخصية، بل التعامل معها باعتبارها جانبًا يمكن فهمه وإدارته. مع طلب المساعدة المتخصصة عندما تصبح الأعراض مؤثرة في جودة الحياة.















