العودة إلى المدارس.. كيف ندعم أبناءنا في كل مرحلة عمرية؟

مع انطلاق موسم العودة إلى المدارس، تعود إلى الأسرة مجموعة من المشاعر والتوقعات والتحديات. بالنسبة إلى الطفل الصغير، قد تعني العودة إلى المدرسة الانتقال إلى عالم جديد وغير مألوف، بينما قد يعيش المراهق مرحلة مختلفة من القلق المرتبط بالصداقات والهوية والاستقلالية. في حين تمثل مغادرة الأبناء إلى الجامعة أو التعليم ما بعد الثانوي تحولًا عاطفيًا كبيرًا للطلاب وذويهم على حد سواء.

ولهذا، لا توجد طريقة واحدة لدعم الأبناء في هذه المرحلة. فما يحتاجه الطفل في سنواته الأولى يختلف عما يحتاجه المراهق. كما أن الشاب الذي بدأ حياته الجامعية يحتاج إلى نوع مختلف من الدعم.

والمهمة الأساسية للوالدين تتمثل في البقاء قريبين بما يكفي ليشعروا بالأمان والدعم. و بعيدين بما يكفي ليمنحوا أبناءهم فرصة النمو واتخاذ القرارات بأنفسهم.

العودة إلى المدرسة.. تغيير أكبر من مجرد جدول دراسي

قد تبدو العودة إلى المدرسة حدثًا اعتياديًا يتكرر كل عام، لكنها بالنسبة إلى الأطفال تمثل انتقالًا بين مرحلتين مختلفتين من الحياة اليومية. فبعد فترة من الإجازة والمرونة في مواعيد النوم والطعام والأنشطة، يجد الطفل نفسه أمام جدول أكثر تنظيمًا، وواجبات، ومواعيد محددة، وتوقعات أكاديمية واجتماعية جديدة.

وقد يؤدي هذا الانتقال إلى مشاعر مختلفة، مثل الحماس والفضول، أو القلق والتردد، أو حتى الانزعاج والعصبية. ولا ينبغي بالضرورة تفسير هذه المشاعر على أنها رفض للمدرسة؛ فقد يكون الطفل ببساطة بحاجة إلى وقت للتكيف مع التغيير.

This may contain: an open book with images of people sitting on top of it and the word abc above them

ومن هنا، يصبح التحضير النفسي والعملي المسبق من أهم الخطوات التي يمكن أن تساعد الأسرة على جعل الانتقال أكثر سلاسة.

الأطفال الصغار.. الأمان يبدأ من التفاصيل

بالنسبة إلى الأطفال في السنوات الدراسية الأولى، تكون العودة إلى المدرسة تجربة مليئة بالأشياء الجديدة. وقد لا يمتلك الطفل القدرة على تصور ما سيحدث خلال يومه الدراسي، ولذلك قد تتحول المخاوف الصغيرة في نظر الكبار إلى مشاعر قوية بالنسبة إليه.

وفي هذه المرحلة، تساعد التفاصيل البسيطة على بناء الشعور بالأمان، يمكن للوالدين إشراك الطفل في تجهيز حقيبته. واختيار ملابسه، وترتيب أدواته المدرسية، وتحضير وجبته الخفيفة. ولا يتعلق الأمر بالمهام نفسها بقدر ما يتعلق بمنح الطفل شعورًا بأنه جزء من عملية الاستعداد.

كما أن إعطاء الطفل خيارات محدودة ومناسبة لعمره يمكن أن يمنحه إحساسًا بالسيطرة. فبدل أن تكون جميع تفاصيل الصباح مفروضة عليه. يمكن أن يُترك له اختيار الملابس أو الوجبة الخفيفة أو ترتيب بعض خطوات الاستعداد. وهذا النوع من المشاركة يساعد الطفل على تطوير مهارات الاستقلالية واتخاذ القرار تدريجيًا.

أخبره بما سيحدث

لا يحتاج الطفل الصغير دائمًا إلى شرح طويل حول سبب شعوره بالقلق أو كيفية التعامل مع التغيير. ففي كثير من الأحيان، تكون الإجابات البسيطة عن الأسئلة العملية أكثر فائدة.

متى سيذهب إلى المدرسة؟ من سيصطحبه؟ ماذا سيحدث بعد انتهاء اليوم الدراسي؟ متى سيرى والديه أو إخوته مرة أخرى؟ ماذا سيأكل؟ ومن سيأتي لاصطحابه؟ كلما أصبحت الأحداث المتوقعة أكثر وضوحًا، قلّت مساحة المجهول التي قد تسبب القلق.

Story pin image

ويمكن كذلك استخدام الروتين البصري، مثل وضع صور أو رموز تمثل مراحل اليوم. الاستيقاظ، الإفطار، ارتداء الملابس، الذهاب إلى المدرسة، العودة إلى المنزل، ثم وقت اللعب أو النوم. وتفيد هذه الطريقة خصوصًا الأطفال الذين يستفيدون من رؤية التسلسل بدل الاعتماد على الشرح اللفظي وحده.

المراهقون.. عندما يتغير معنى الدعم

مع دخول الطفل مرحلة المراهقة، تتغير طبيعة العلاقة مع الوالدين، يبدأ المراهق في بناء هويته خارج إطار الأسرة، ويصبح رأي الأصدقاء والعلاقات الاجتماعية والإنجاز الأكاديمي وصورته عن نفسه أكثر أهمية.

وقد تظهر في هذه المرحلة رغبة متزايدة في الخصوصية والاستقلالية، وربما يبدو للمراهق أحيانًا أن تدخل والديه يمثل تهديدًا لاستقلاله.

وهنا لا يعني الدعم أن يقوم الوالدان بحل جميع المشكلات، بل أن يساعدا أبناءهما على اكتساب الأدوات التي تمكنهم من التعامل معها بأنفسهم.

من الطبيعي أن يشعر الوالدان بالرغبة في حماية أبنائهما من الفشل أو الإحراج أو الصعوبات. لكن محاولة إزالة كل عقبة من طريق المراهق قد تحرمه من فرص مهمة للتعلم.

فعندما يواجه مشكلة مع زميل، أو يختلف مع صديق، أو يحصل على درجة أقل مما توقع. فإن التدخل الفوري لحل المشكلة نيابة عنه قد يرسل رسالة غير مقصودة مفادها أنه غير قادر على التعامل معها.

This may contain: three people walking down the street with backpacks on their backs and one person wearing a white shirt

أما الدعم الصحي فيمكن أن يبدأ بـ «كيف يمكننا التفكير في هذه المشكلة معًا؟» بهذه الطريقة، يصبح الوالد شريكًا في التفكير بدل أن يكون الشخص الذي يتولى المشكلة بالكامل، وهنا يظهر الفرق بين الدعم والإنقاذ.

استمع أكثر مما تقدم الحلول

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن يبدأ الوالدان بتقديم الحلول بمجرد أن يبدأ الابن في الحديث عن مشكلة. لكن المراهق قد لا يكون يبحث دائمًا عن حل فوري. أحيانًا يكون كل ما يحتاج إليه هو أن يشعر بأن أحدًا يفهم ما يمر به دون إصدار أحكام.

لذلك يمكن أن يبدأ الحوار بالاستماع وطرح أسئلة مفتوحة تمنح  المراهق مساحة للتعبير، كما تساعد الوالدين على فهم المشكلة الحقيقية بدل افتراضها.

قد لا تأتي أفضل المحادثات العائلية أثناء جلسة رسمية، أحيانًا تكون السيارة، أو إعداد العشاء، أو المشي، أو التسوق. أو حتى القيام بمهمة منزلية مشتركة، أفضل فرصة للحوار.

وفي هذه اللحظات، يمكن للوالدين إظهار اهتمام حقيقي بهوايات الأبناء واهتماماتهم. حتى إن لم تكن هذه الاهتمامات هي نفسها التي يفضلها الوالدان.

والهدف ليس تحويل كل حديث إلى درس تربوي، وإنما بناء علاقة يشعر فيها المراهق بأن والديه مهتمان به كشخص، وليس فقط بدرجاته وواجباته وسلوكه.

This may contain: a woman sitting on the floor next to a man who is looking at something in front of him

المرحلة الجامعية.. دعم الشاب من دون السيطرة عليه

تمثل مغادرة الابن أو الابنة إلى الجامعة أو إلى مرحلة التعليم ما بعد الثانوي انتقالًا كبيرًا للطرفين. ينتقل الطالب إلى بيئة جديدة تتطلب منه إدارة وقته وماله ودراسته وعلاقاته وقراراته اليومية بدرجة أكبر من الاستقلالية.

وفي المقابل، يواجه الوالدان مشاعر مختلطة بين الفخر والقلق والاشتياق وربما الخوف من عدم قدرة الابن على التعامل مع الحياة الجديدة.

والاستقلالية لا تعني بالضرورة أن يقوم الشاب بكل شيء بمفرده، إذ أن القدرة على معرفة متى يحتاج الإنسان إلى المساعدة، وإلى من يلجأ، وكيف يطلبها، تعد من مهارات الحياة المهمة.

ويمكن للوالدين تشجيع أبنائهم على التعرف إلى الموارد المتاحة في المدرسة أو الجامعة، مثل المرشدين الأكاديميين، وخدمات الدعم النفسي، والمراكز الصحية، وأعضاء هيئة التدريس، ومجموعات الدعم. طلب المساعدة لا يتعارض مع الاستقلالية، بل يمكن أن يكون جزءً منها.

الصحة النفسية جزء من الاستعداد للعام الدراسي

لا ينبغي أن تقتصر استعدادات العودة إلى المدرسة على شراء الأدوات والملابس وتنظيم الجدول الدراسي. فالصحة النفسية والنوم والنشاط البدني والعلاقات الاجتماعية عناصر أساسية في قدرة الطفل والمراهق على التكيف.

ومن المفيد أن ينتبه الوالدان إلى التغيرات المستمرة في سلوك أبنائهم، مثل الانعزال الشديد، أو التراجع الملحوظ في الأداء/ أو اضطرابات النوم، أو تغيرات الشهية، أو القلق المستمر، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة التي كانوا يستمتعون بها.

ولا تعني هذه العلامات بالضرورة وجود مشكلة نفسية، لكنها تستحق الانتباه والحوار، خصوصًا إذا استمرت أو أثرت في الحياة اليومية. وعند الحاجة، يمكن الاستعانة بمختص في الصحة النفسية أو بالطبيب.

الوالدين بحاجة إلى الدعم أيضًا

في خضم الحرص على نجاح الأبناء، قد ينسى الوالدان احتياجاتهما النفسية، فالعودة إلى المدارس تعني أيضًا بالنسبة إلى الوالدين العودة إلى جداول أكثر ازدحامًا، ومواعيد، وواجبات منزلية، ومسؤوليات إضافية. ومع الضغط المتراكم، قد يصبح الوالد أقل صبرًا وأكثر عرضة للتوتر.

لذلك فإن الاعتناء بالنفس ليس رفاهية أو أنانية، بل جزء من رعاية الأسرة، كالحصول على قسط كافٍ من النوم، أو ممارسة الرياضة، أو الخروج في نزهة، أو تخصيص وقت هادئ بعيدًا عن المسؤوليات، أو التحدث مع شخص موثوق عند الشعور بالضغط.

فالوالد الذي يمنح نفسه مساحة للراحة يكون غالبًا أكثر قدرة على الاستماع والتعاطف والاستجابة بهدوء عندما يحتاج إليه أبناؤه.

اقترب عندما يحتاجونك.. وابتعد عندما يستطيعون

يتغير دور الوالدين مع نمو الطفل، في السنوات الأولى، يحتاج الطفل إلى يد تمسك بيده وتشرح له العالم. وفي مرحلة المراهقة، يحتاج إلى شخص يستمع إليه ويمنحه مساحة لتجربة قدراته.

وعندما يصل إلى الجامعة، يحتاج إلى قاعدة آمنة يعرف أنه يستطيع العودة إليها، دون أن يشعر بأنه مراقب أو أن كل قرار يتخذه يجب أن يمر عبر والديه.

This may contain: two women are sitting on the couch and one has her arm around the other woman's shoulder

وهذا لا يعني الانسحاب من حياة الأبناء، وإنما تغيير شكل الحضور، فالأبناء لا يحتاجون والدين مثاليين يعرفان دائمًا الإجابة الصحيحة. إنهم يحتاجون إلى والدين يشعرون معهم بالأمان، ويستطيعون العودة إليهم عند الحاجة، ويثقون بقدراتهم في الوقت نفسه.

فرصة لبناء الاستقلالية

بداية العام الدراسي هي فرصة متكررة لتعليم الأبناء مهارات تنظيم الوقت، تحمل المسؤولية، التعامل مع المشاعر. حل المشكلات، طلب المساعدة، اتخاذ القرارات، والتكيف مع التغيير.

وكل مرحلة عمرية تقدم للوالدين فرصة جديدة لإعادة تعريف معنى الدعم، الطفل الصغير يحتاج إلى الطمأنينة والروتين. والمراهق يحتاج إلى الثقة والمساحة، والشاب الجامعي يحتاج إلى الاستقلال مع وجود شبكة أمان يمكنه الاعتماد عليها.

ليست مهمة الوالدين أن يحموا أبناءهم من كل تجربة صعبة، فهذا أمر مستحيل، الأجدر أن يساعدوهم على اكتساب الثقة والمرونة والمهارات التي تمكنهم من مواجهة تلك التجارب.

أجمل رسالة يحملها الأبناء معهم مع بداية عام دراسي جديد هي أن يجدوا في أهلهم ثقةً بقدراتهم، وإيمانًا بقدرتهم على التعلم والنمو. ووجودًا ثابتًا إلى جانبهم كلما احتاجوا إلى الدعم. وأن يشعروا بأنهم موضع ثقة، وأن قدراتهم محل إيمان.

الرابط المختصر :