كان جون سينجر سارجنت (12 يناير 1856 – 14 أبريل 1925) رائدًا في رسم البورتريه في عصره، واشتهر بتجسيده لأناقة وبذخ العصر الذهبي. فضلًا عن إبرازه للطابع الفريد لشخصياته.
كما برع في رسم المناظر الطبيعية والألوان المائية، ورسم جداريات طموحة وذات قيمة عالية لعدد من المباني المهمة في بوسطن وكامبريدج. منها متحف الفنون الجميلة ومكتبة بوسطن العامة ومكتبة وايدنر بجامعة هارفارد .
ولد سارجنت في إيطاليا لأبوين أمريكيين مغتربين، وعاش حياةً عالمية، وحظي باحترامٍ كبير في كلٍّ من الولايات المتحدة وأوروبا لمهارته الفنية الفذة وموهبته الفذة.
ورغم أنه أمريكي، إلا أنه لم يزر الولايات المتحدة إلا في سن الحادية والعشرين، ولذلك لم يشعر قط بأنه أمريكي بالكامل. كما لم يشعر بأنه إنجليزي أو أوروبي، وهو ما منحه موضوعيةً استغلها لصالحه في فنه.
الأسرة والحياة المبكرة
كان سارجنت من سلالة أوائل المستوطنين الأمريكيين. عمل جده في تجارة الشحن البحري في غلوستر، ماساتشوستس قبل أن ينتقل مع عائلته إلى فيلادلفيا.
أصبح والد سارجنت، فيتزويليام سارجنت، طبيبًا، وتزوج ماري نيوبولد سينغر، عام 1850. سافرا إلى أوروبا عام 1854 بعد وفاة طفلهما البكر، واستقرا هناك. يسافران ويعيشان حياة متواضعة معتمدين على مدخراتهما وميراث صغير. ثم ولد ابنهما جون في فلورنسا في يناير 1856.
تلقى تعليمه المبكر من والديه ومن أسفاره إذ كانت والدته فنانة هاوية، تصطحبه في رحلات ميدانية وزيارات للمتاحف، وكان يرسم باستمرار. كان متعدد اللغات، إذ تعلم الفرنسية والإيطالية والألمانية بطلاقة. وتعلم الهندسة والحساب والقراءة ومواد أخرى من والده. كما برع في العزف على البيانو.
بداية المسيرة المهنية
في عام 1874، في سن الثامنة عشرة، بدأ سارجنت دراسته على يد كارولوس دوران، وهو فنان بورتريه شاب موهوب ومبدع، بالتزامن مع التحاقه بمدرسة الفنون الجميلة.
علم كارولوس دوران سارجنت أسلوب “ألا بريما” الذي اشتهر به الرسام الإسباني دييغو فيلاسكيز (1599-1660). مع التركيز على وضع ضربات فرشاة منفردة حاسمة، وهو ما أتقنه سارجنت بسهولة بالغة. درس سارجنت مع كارولوس دوران مدة أربع سنوات، حتى استوعب خلالها كل ما يمكن استيعابه من أستاذه.

تأثر سارجنت بالانطباعية، وكان صديقًا لكلود مونيه وكاميل بيسارو، وفضل المناظر الطبيعية في البداية. لكن كارولوس دوران وجّهه نحو رسم البورتريهات كوسيلة لكسب العيش.
جرب سارجنت الانطباعية والطبيعية والواقعية، متجاوزًا حدود هذه الأساليب الفنية مع الحرص على أن تبقى أعماله مقبولة لدى المحافظين في أكاديمية الفنون الجميلة. كانت لوحة “جامعو المحار في كانكال” (1878) أول نجاح كبير له؛ إذ جلبت له التقدير من صالون باريس وهو في الثانية والعشرين من عمره.

كان سارجنت يسافر سنويًا، وشملت رحلاته الولايات المتحدة وإسبانيا وهولندا والبندقية وغيرها من الوجهات السياحية. سافر إلى طنجة في الفترة ما بين عامي 1879 و1880؛ حيث انبهر بضوء شمال أفريقيا، واستلهم منها لوحة “دخان العنبر” (1880)، وهي لوحة رائعة لامرأة ترتدي ثوبًا أبيض وتحيط بها هالة بيضاء.
وصفها الكاتب هنري جيمس بأنها رائعة. لاقت اللوحة استحسانًا كبيرًا في صالون باريس عام 1880. وأصبح سارجنت يعرف كواحد من أهم الفنانين الانطباعيين الشباب في باريس.
بعد ازدهار مسيرته الفنية، عاد سارجنت إلى إيطاليا، وخلال إقامته في البندقية بين عامي 1880 و1882، رسم مشاهد من الحياة اليومية لنساء يعملن، إلى جانب استمراره في رسم لوحات بورتريه كبيرة الحجم. عاد إلى إنجلترا عام 1884 بعد أن اهتزت ثقته بنفسه جراء الاستقبال الفاتر الذي لاقته لوحته “بورتريه السيدة إكس” في صالون باريس.
في باريس عام 1883، بدأت حكاية من أغرب الحكايات المتعلقة بلوحات البورتريه التي كانت شهيرة جدًا في تلك الفترة، أما بطلا الحكاية فهما أمريكيان؛ الرسام “جون سينجر سارجنت”، وعارضة الأزياء “فيرجيني إميلي جوترو”.
اللوحة ستعرف فيما بعد باسم «مدام إكس»، ولم ترسم بناء على طلب من مدام جوترو وإنما بسعي حثيث من سارجنت. أما ردود الأفعال عليها فجاءت ساخطة ومثيرة للجدل رغم جمال اللوحة وحظها الذي أصبح أسعد كثيرا فيما بعد.

كانت عارضة الأزياء فيرجيني جوترو مغتربة أمريكية في فرنسا، تزوجت من مصرفي فرنسي هو “بيير جوترو”. واشتهرت في المجتمع الباريسي الراقي بجمالها وشائعات عن خياناتها. وكان يتم الإشارة إليها باعتبارها تستغل جمالها لتحقيق الشهرة والصعود الاجتماعي.
لكن جمالها المميز جعلها فرصة بورتريه مميزة لعدد من الفنانين الذين سعوا لرسمها، وعلى الرغم من أنها رفضت العديد من الطلبات المماثلة من الفنانين، فإنها قبلت عرض سارجنت في فبراير 1883، حيث كان مغتربًا هو الآخر ويعيش في باريس، وتم تفسير تعاونهما على أنه مدفوع بالرغبة المشتركة في الحصول على مكانة عالية في المجتمع الفرنسي.
وكعادة سارجنت في لوحاته السابقة، يستخدم مساحة كبيرة للفت أنظار رواد المعرض، ثم وبالنظر إلى اللوحة النهائية فإنها تبدو مختلفة عن كل الاسكتشات التجريبية التي رسمها قبل اللوحة الأصلية. ففي اللوحة تقف جوترو بجسدها مواجه للفنان بينما تنظر برأسها إلى الجهة الأخرى، وذراعها الأيمن ممتدة خلفها، ويدها على منضدة منخفضة.
بعد أن تم تحديد التكوين والبدء في الرسم، كان العمل يتقدم ببطء، بحسب ما بدا في خطابات سارجانت لأصدقائه وقتها أنه كان متأكدًا من أنه يرسم عملا فنيا متفردًا، وكانت السيدة جوترو متحمسة جدًا للسبب ذاته. واستمر الأمر لشهور حتى انتهت اللوحة وأصبحت جاهزة للعرض في معرض صالون باريس في 1884.

ترتدي أوتريو فستان سهرة أسود اللون، يتميز بصدرية مخملية على شكل قلب ذات مقدمة طويلة مدببة وتنورة من الساتان الأسود.
وتتزين فقط بحمالات كتف مرصعة بالجواهر، وخاتم زواجها الذهبي، وهلال من الماس في شعرها، يرجح أنه يرمز إلى ديانا، إلهة الصيد (أورموند، 1998). تحمل مروحة سوداء وقد وضعت بودرة على بشرتها لتمنحها بياضًا ناصعًا.
لم يكن إظهار هذا القدر الكبير من فتحة الصدر أمرًا غير مألوف، وكان اللون الأسود لونًا شائعًا لملابس السهرة، كما تشهد على ذلك الصور والملابس وقتها. تظهر لوحة سارجنت المعاصرة، حمالة كتف منزلقة.
إشعال الجدل وإسقاط التوقعات
انتظر سارجنت وجوترو ردود فعل عظيمة على العمل الفريد، لكن تحول حماسهما فجأة إلى خيبة أمل بالغة، بعد ردود فعل سلبية ومفاجئة بالنسبة لهما، فلم تلق اللوحة قبول المجتمع الفرنسي وقتها، وتحولت تجربة سارجنت الإبداعية إلى كارثة بالنسبة له ولسمعة مدام جوترو التي لاقت اتهامات أخلاقية حادة.
كتب أحد النقاد: “كانت هناك ضجة كبيرة طوال ذلك اليوم، وجدت سارجنت يتهرب من وراء الأبواب لتجنب الأصدقاء الذين بدو جادين في آرائهم التي تنوعت ما بين (لقد أصبت بخيبة أمل في اللون). (تبدو كجثة متحللة)، بالإضافة إلى سخرية الناس، والنكات، ما حطم سارجنت”.
تنوعت اعتراضات المختصين والنقاد ما بين وضعية الوقوف لجوترو، والفستان الجريء في ذلك الوقت، خاصة قبل التعديلات عليه؛ إذ إن إحدى حمالتي الفستان كانت ساقطة عن الكتف؛ ما أعطى مظهرًا أكثر جرأة لها.
فضلًا عن مظهر الجسد واختيار سارجنت لمنحنيات الفستان التي بدت مثيرة بشكل ما على مجتمع أرستقراطي في ذلك الوقت. ما قوبل بانتقادات كثيرة، إضافة إلى درجة اللون التي اختارها سارجنت لبشرة جوترو التي اعتبرها البعض بيضاء أكثر من اللازم.
من المعروف، من رسائل وروايات مختلفة، أن سارجنت أجرى تعديلات مهمة على العمل. ومع ذلك، لم يكن الأمر واضحًا حتى عام 1995؛ حيث كشف الفحص الفني. بما في ذلك التصوير بالأشعة السينية والانعكاس بالأشعة تحت الحمراء عن تغييرات متعددة قام بها سارجنت أثناء الانتهاء من صورة صالون عام 1884. منها تحول في موضع الأذن بالوجه، وتغييرات في مواضع الذراعين.

حين تحول الرفض إلى مجد فني
وتعد صورة عام 1885 لسارجنت في الاستوديو الخاص به هي أول تسجيل للتغييرات اللاحقة للفنان على اللوحة وبالأخص في موضع حمالة الفستان اليمنى التي تغيرت. إضافة إلى تغيرات أقل وضوحًا وغير ملحوظة في الخلفية. فعلق زوار استوديو سارجنت على أن اللوحة كانت ألوانها “أزرق وأخضر وأبيض وأسود”.
وفي أحد رسائل سارجنت إلى صديق له كتب عن عدم رضاه عن بعض التفاصيل وعن تغيير اللون وأماكن الإضاءة، ونظرًا لإعادة طلاء سارجنت للوحة بينما كانت لا تزال داخل الإطار، يمكن رؤية لمحة عن لون مختلف تمامًا على طول الحافة.
وفي النهاية بالنسبة للتصوير النهائي، اختار سارجنت اللون الأكثر حيادية الذي نراه اليوم. كما أن التقنيات الحديثة أظهرت درجات مختلفة من اللون تؤكد براعة سارجنت في اختياراته لكتل اللون وأماكنها بشكل لا يبدو واضحًا للعين المجردة، وتجعل اللوحة في مصاف اللوحات المميزة والخالدة عبر التاريخ.

بعكس ما كتب لصديقه، فإن بعد ذلك بسنوات طويلة وتحديدًا في عام 1916 أرسل سارجنت إلى صديقه القديم إدوارد روبنسون، مدير متحف متروبوليتان. عن اللوحة: “أفترض أنها أفضل شيء قمت به”.
وعارض بيع صورته لمدام بيير جوترو مقابل ما كان في ذلك الوقت، سعرًا متواضعًا جدًا. وذلك لأنه كان يتمنى عرض أهم أعماله بشكل دائم في متحف أمريكا البارز. فعلى الرغم من أنه عاش معظم حياته في الخارج، اعتبر سارجنت نفسه أمريكيًا دوما.
لكن، ورغم مرور سنوات عديدة على الظهور الأول للوحة والمشاكل التي تبعته. كان لدى سارجنت شرط واحد فقال: “بالمناسبة، أُفضّل، بسبب الخلاف الذي أجريته مع السيدة صاحبة اللوحة منذ سنوات، ألا يتم تسمية الصورة باسمها”. واستوعب روبنسون الأمر وسُميت اللوحة باسم «مدام إكس»، وهي حتى اليوم معروضة في متحف متروبوليتان، بنيويورك.
من صدمة فنية إلى أيقونة خالدة في الموضة والثقافة
سرعان ما دفع الاستقبال السيئ للوحة مدام إكس في صالون باريس عام 1884 سارجنت إلى مغادرة فرنسا بحثًا عن عملاء في إنجلترا حيث حقق نجاحًا باهرًا. وبحلول عام 1891، كانت غوترو قد غيرت رأيها بوضوح بشأن اللوحة؛ إذ كلفت الفنان الفرنسي غوستاف كورتوا برسم لوحة مماثلة تحمل نفس الوضعية الجانبية وحزام الكتف المنسدل بجرأة.
لا تزال لوحة مدام إكس أشهر لوحة رسمها سارجنت (أورموند، غروف)، وقد أبقتها مكانتها في مجموعة متحف متروبوليتان في دائرة الضوء منذ اقتنائها عام 1916. حتى إنها ألهمت روايتين تاريخيتين، وهما Strapless: John Singer Sargent and the Fall of Madame X بقلم ديبورا ديفيس و I am Madame X بقلم جويا ديلبرتو (كلاهما صدر عام 2004).
لقد استلهم العديد من المصممين المعاصرين تصميماتٍ مستوحاة من فتحة الرقبة على شكل قلب، والخصر النحيل. والقصة الضيقة التي تبرز قوام الجسم، بدءًا من أوليفييه ثيسكينز لدار روشاس عام 2005. وصولًا إلى تصميم ديور الذي ألبس شارليز ثيرون في حفل توزيع جوائز الأوسكار عام 2014، علاوة على ذلك، ظهرت هذه الصورة بشكل متكرر في الثقافة الشعبية.

استلهمت إطلالة لورين سانشيز بيزوس في حفل ميت غالا من لوحة مدام إكس الشهيرة للفنان “جون سينجر سارجنت”. وفق تحليل فني تناول الرمزية التاريخية للعمل.
ويرى مختصون أن استلهام هذا العمل في تصميم الإطلالة يعكس عودة رموز الفن الكلاسيكي إلى الموضة الحديثة. مع إعادة توظيفها في سياق ثقافي معاصر على السجادة الحمراء.




















