مع التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، بدأت تبرز تساؤلات متزايدة حول تأثير هذه الأدوات على الصحة النفسية، خاصة مع اعتماد البعض عليها بشكل يومي في التواصل أو طلب النصائح. بينما توفر هذه التقنيات مزايا متعددة، يحذر متخصصون من تداعيات نفسية قد تظهر تدريجيًا عند الاستخدام غير المتوازن.
دراسة حديثة ترصد ارتباطًا بالاكتئاب
كشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة علمية متخصصة، وشملت أكثر من 20 ألف بالغ في الولايات المتحدة خلال شهري أبريل ومايو 2025، أن المستخدمين اليوميين لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي كانوا أكثر عرضة بنسبة تصل إلى 30% للإبلاغ عن أعراض اكتئاب متوسطة على الأقل مقارنة بغيرهم.
كما رصدت الدراسة ارتفاع مستويات القلق والتوتر لدى الفئات الأكثر استخدامًا لهذه التقنيات.

هل العلاقة سببية؟
وبحسب”الكونسلتو” يؤكد مختصون في الصحة النفسية أن هذه النتائج لا تعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة. إذ قد يكون الأفراد الذين يعانون بالفعل من مشاعر الوحدة أو التوتر أكثر ميلًا لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل متكرر، ما ينعكس على نتائج الدراسات.
ويشدد الخبراء على أن التفاعل الإنساني المباشر يظل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على التوازن النفسي. ما قد يتراجع مع الإفراط في الاعتماد على الحلول الرقمية.
آثار نفسية محتملة للاستخدام المكثف
يحذر خبراء من مجموعة من التأثيرات النفسية التي قد ترتبط بالاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي، من أبرزها:
- زيادة الشعور بالوحدة نتيجة تقليل التفاعل الاجتماعي الواقعي.
- الاعتماد العاطفي على التطبيقات الذكية في اتخاذ القرارات أو البحث عن الدعم.
- تراجع مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات.
- اضطرابات النوم والإجهاد الذهني بسبب زيادة وقت استخدام الشاشات.
- انخفاض تقدير الذات نتيجة التعرض المستمر لمحتوى “مثالي” منتج تقنيًا.
الوحدة والإجهاد التكنولوجي
ويرى متخصصون أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم في تفاقم الشعور بالعزلة لدى بعض المستخدمين، خاصة إذا أصبح بديلًا للعلاقات الإنسانية الحقيقية. فعلى الرغم من أن التفاعل مع هذه الأدوات قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالراحة، فإنه لا يعوض الدعم العاطفي الحقيقي أو التجارب المشتركة.
كما يحذر الخبراء من ما يعرف بـ”الإجهاد التكنولوجي”، وهو حالة من القلق والإرهاق الناتجة عن الاستخدام المستمر للتقنيات الرقمية، وما يصاحبها من ضغط للبقاء متصلًا بشكل دائم والتعامل مع كم هائل من المعلومات.

هل يمكن أن يكون جزءًا من الحل؟
رغم هذه التحذيرات، لا ينفي الخبراء وجود جوانب إيجابية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، خاصة في حالات القلق أو الاكتئاب الخفيف. إذ يمكن أن يوفر مساحة أولية للتعبير عن المشاعر، إلى جانب تقديم إرشادات عامة أو تمارين للاسترخاء، ما قد يساعد بعض المستخدمين على تخفيف حدة التوتر بشكل مؤقت.
في النهاية يبقى الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة لا يمكن أن تحل محل العلاج النفسي المتخصص أو الرعاية الطبية. ويؤكد الخبراء أن الاستخدام المتوازن والواعي لهذه التقنيات هو السبيل للاستفادة منها دون الوقوع في آثارها الجانبية، مع ضرورة الحفاظ على التواصل الإنساني كعنصر أساسي للصحة النفسية


















