هل كل صراع حرب؟.. حين يقود الغموض إلى مزيد من النزاعات

مع تصاعد التنافس بين القوى العظمى وتزايد المخاطر الاستراتيجية في جميع أنحاء العالم، يبدو أن كل شيء يطلق عليه اسم “حرب”.

ومن الأمثلة على الاستخدام الشائع لكلمة “حرب” الحرب التجارية ومفهوم حرب المناطق الرمادية. يعرف هذا النمط من “الحرب السياسية” بأنه التأثير السياسي، والإكراه الاقتصادي، واستخدام الفضاء الإلكتروني، وعمليات المعلومات، واستخدام الوضع العسكري لتشكيل الخصم وحلفائه وشركائه.

Story pin image

السؤال يبقى مطروحًا: ما هي الحرب؟ 

يعد تعريف الحرب والصراع والتنافس أمرًا بالغ الأهمية، في ظل تصاعد التنافس الاستراتيجي وتزايد مخاطر الصراع والحرب وأنه معنى الإكراه السياسي. وكيف يعد العنف الوسيلة الأساسية للإكراه في الحرب. في المقابل، يستخدم الصراع والتنافس العنف، والتهديد به، بطرق مختلفة.

إذا كانت الحرب تعني كل شيء، فهي لا تعني شيئًا

إذا لم نتمكن من تعريف الحرب، يصعب علينا التمييز بين الحرب والصراع والتنافس. في اللغة الدارجة اليوم، تستخدم كلمة “حرب” لوصف واسع من المواقف القسرية، العسكرية وغير العسكرية، العنيفة وغير العنيفة.

مع ذلك، فإن استخدام “حرب” لوصف كل شيء حوّل الكلمة إلى أداة بلاغية، ما أدى إلى فقدانها معناها. فغياب تعريف واضح يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن الحرب تعرف بالتكنولوجيا. بينما يخلطها آخرون بالتنافس الاستراتيجي والسياسة الواقعية، فيطلقون عليها “الحرب السياسية”. 

جندي أسترالي ينظر إلى سلاحه وهو يرتدي كامل معداته.

الحرب – العنف هو الوسيلة الأساسية للإكراه

لتعريف الحرب، يجب أن نفهم الغاية من استخدامها. كيف أن أسباب الحرب، من العصر الحجري الحديث والوسيط وحتى العصر الحديث لا تزال قائمة: الأرض، الاقتصاد، والخوف من الآخرين، أو الخوف من التهديدات.

فوسائل الحرب عنيفة في المقام الأول. ورغم أن هذا العنف قد يكون مميتًا (نية القتل أو التشويه) وغير مميت (نية إتلاف وتدمير المواد والموارد). إلا أنه دائمًا ما يكون ماديًا ويتجاوز حدود الدولة القومية.

وهو كذلك استمرار سياسة جماعة ما سواء كانت عنصرًا قبليًا أو مجتمعًا أو دولة قومية أو دولة عظمى باستخدام العنف كوسيلة أساسية للإكراه.

الصراع – العنف ليس سوى وسيلة واحدة من وسائل الإكراه

ليست الحرب هي الساحة الوحيدة التي قد يستخدم فيها العنف للإكراه السياسي، فكل حرب هي صراع، لكن ليس كل صراع يسمى حربًا. إذ يمتد الطيف من حالات “انعدام الصراع” – كالإغاثة الإنسانية – وصولًا إلى “الحرب الشاملة” بين الدول.

وهذا يؤكد أن الصراع، على أي مستوى، هو تنافس بين الإرادات السياسية والإنسانية. يمكن أن يستخدم وسائل عنيفة وغير عنيفة للتأثير على مجموعة متنوعة من الفاعلين لتحقيق الهدف السياسي

وكل من الحرب والصراع يستخدمان مجموعة من الوسائل لإجبار الآخرين: العنف المسلح المنظم المباشر؛ والإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية. والعقوبات التجارية، والتجسس، والتخريب، والإرهاب، والتمرد، والأمن البشري، والفضاء الإلكتروني وغيرها من الاعتبارات العسكرية غير التقليدية.

والصراع هو استمرار سياسة جماعة ما حيث يكون العنف أحد الأساليب التي إما تكمل وسيلة إكراه أساسية أخرى. أو تتناوب على إعطاء الأولوية مع وسائل أخرى غير عنيفة طوال فترة النزاع. وعلى النقيض من ذلك، فإن المنافسة تفضل التهديد بالعنف أكثر من الاستخدام المباشر للعنف.

المنافسة – الإكراه والإقناع من خلال الوسائل غير العنيفة

على الرغم من أن الحرب والصراع كلاهما شكل من أشكال التنافس، إلا أن التنافس البحت (الذي يسمى أحيانًا التنافس الاستراتيجي) نادرًا ما يشمل عنفًا جماعيًا منظمًا ومجازًا.

وبدلًا من ذلك، يستخدم التهديد بالعنف (كما يتجلى في الردع والموقف) ووسائل أخرى غير عنيفة لإجبار الآخرين وإقناعهم. وهذا يشير إلى أن الحرب والصراع والتنافس تشكل طيفًا من الإكراه السياسي والإقناع.

تطال الحروب الإنسان فتتسبب له بالعديد من الآثار الصحيّة

تسبب الحروب إصابات جسدية بين الأفراد مدنيين كانوا أم عسكريين، والتي تكون نتيجتها إما إعاقة أو وفاة. تؤثر الحروب على الصحة النفسية للإنسان. بما ينتج عنها من اضطرابات نفسية وعقلية قد تمتد لفترات زمنية طويلة، والتي قد ينتقل أثرها من جيل إلى آخر.

تدمير للبنية التحتية التي تدعم الصحة العامة للمجتمع

قطاعات الأنظمة الغذائية، والرعاية الطبية، والنظافة، والنقل، والاتصالات، والطاقة الكهربائية. الآثار النفسية للحروب على الإنسان الآثار النفسية على الجنود وعائلاتهم للحروب آثار نفسية عديدة على الجنود وعائلاتهم، ويظهر الجزء الأكبر من هذه الآثار بعد عودة الجنود إلى منازلهم وعائلاتهم، وفيما يأتي بعض النقاط التي توضح هذه الآثار على الجندي وأفراد عائلته

This may contain: two young boys sitting on the ground with brooms in their hands and one boy holding his head

الأثر النفسي على الجندي نفسه

يشعر معظم الجنود أثناء ابتعادهم عن أوطانهم بالوحدة الشديدة والرغبة الملحّة في العزلة نتيجة لعوامل عديدة. إلّا أنّ مثل هذه الأعراض يمكن تقليصها بتواصل ذويهم معهم ومسنادتهم لهم عبر وسائل التواصل المتاحة حينها.

فيما قد يواجه الجنود مرحلة جديدة من الأزمات النفسية التي قد تظهر على شكل اكتئاب، واضطرابات، وقلق. بالإضافة إلى معاناتهم من إصابات أُخرى في مناطق مختلفة من الجسم نتيجة لهذه الحروب.

الأثر النفسي على علاقة الجندي بشريكه

سيواجه الشريك مسؤوليات كبيرة أثناء غياب شريكه عن المنزل تتمثل في أمور رعاية الأطفال. والاهتمام بشؤون المنزل، والإدارة المالية لدخل الأسرة، حيث تنعكس هذه المسؤوليات على شكل قلق وضغط نفسي كبير على الطرفين.

أمّا بعد عودة الجندي ستنعكس حالاته النفسية على العلاقة مع شريكه، حيث سيترتب على الاضطراب الذي يعاني منه كلا الطرفين مشاكل زوجية قد تتطور إلى عنف أُسري.

الأثر النفسي على أطفال الجنود

تبدأ الآثار النفسية بالظهور على أطفال المجنّد أثناء غيابه، فيما تختلف ردود أفعال الأطفال حسب الفئة العمرية لكل منهم. فقد تظهر آثار غياب أحد الوالدين على شكل اضطراب وقلق، أو نوبات غضب، أو تغيرات عديدة في الحالة المزاجية.  أو اختلاف في عادات الأكل، أو في حدوث حالة من عدم المبالاة لدى الطفل.

This may contain: a man holding a baby and feeding it with a spoon while sitting on the ground

الآثار النفسية على الطفال

الآثار النفسية على الأطفال تختلف الآثار النفسية الناتجة عن الحروب على الأطفال تبعاً للمرحلة التي يمر بها الطفل. مما يوجب التعامل مع الأطفال بطريقة خاصة ومختلفة عن غيرهم، وذلك لأنهم ما زالوا يمرون بمرحلة نضوج فكري، وجسدي، وعاطفي، واجتماعي.

وينجم عن تعرض الطفل لضغوطات الحروب آثار عديدة وبعيدة المدى، فالحروب تؤثر على تطوير شخصيته وبنائها. وعلى المعايير الداخلية للصواب والخطأ لديه، كما تؤثر على ضبط ردود أفعاله العدوانية، بالإضافة إلى ما تخلّفه له من مشاكل صحية تؤثر على الأعصاب.

ومن ناحية أُخرى قد تنعدم قدرة الطفل على التعبير عن آلامه وأحزانه التي مرّ بها أثناء ذلك، وتتحول صراعاته الداخلية ومشاعره إلى كلمات تدفعه لاستخدام أساليب أخرى في التعبير عنها قد تظهر على شكل سلوكيات عدوانية فيما بعد.

الآثار الاقتصادية للحروب على الإنسان تؤدي الحروب إلى خسائر وتكاليف اقتصادية كبيرة جداً تبدأ من فقدان البلاد للبنية التحتية، وعدد كبير من المباني، وخلق حالة من عدم اليقين لدى المواطنين، وارتفاع الدين العام على الدولة، بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي تتسبب بها.

بعض الآثار المترتبة على الحروب

التضخم

يمكن أن تؤدي الحروب في كثير من الظروف إلى حدوث تضخّم اقتصادي، وهو الأمر الذي سيجعل النظام المالي يفقد ثقة المواطنين،

ارتفاع مديونية الدولة

غالباً ما تشهد الدول خلال الحروب ارتفاعاً سريعاً للدين العام في القطاع الحكومي؛ وذلك لأنّ الدولة تكون على استعداد للاقتراض بصورة تفوق المعتاد من أجل دعم نظامها وتعزيزه أثناء الحرب،كما تختلف النفقات أيضاً تبعاً للأضرار الناجمة، حيث تؤخذ الأموال التي تُصرف في إصلاح الدمار الناجم عن الحرب في عين الاعتبار، بالإضافة إلى الخسائر البشرية التي لا يمكن تعويضها.

This may contain: an old black and white photo of people sitting on rocks with one child in the foreground

آثار الحروب على المدى البعيد

للحرب آثار عديدة تظهر على المدى القريب، إلا أنّ تأثيرها على المدى البعيد كارثي أيضاً، فالحرب لها تأثير كبير على صحة الأفراد في المجتمعات ورفاهيتهم، حيث أظهرت العديد من الدراسات أن الحروب تسببت في وقوع عدد من الوفيات والإعاقات يفوق أي عدد قد سببه أي مرض خطير آخر.

وتكمن خطورة الحروب بأنها تدمّر الأسر التي تعد أساس المجتمعات، وهو الأمر الذي ينتج عنه خلل في النسيج الاجتماعي للدولة. بالإضافة إلى ما سلف ذكره من آثار مادية ونفسية تخلّفها على الأفراد،

ينتج عن الحروب انخفاض كبير في رأس المال المادي والبشري، فبالإضافة إلى ما تتسبب به هذه الحروب من إزهاق مباشر لأرواح الأفراد ارتبطت الحروب بظواهر خطيرة أخرى مثل انتشار الفقر، وسوء التغذية، والإعاقات المختلفة، والأمراض النفسية والاجتماعية، وعدد كبير من المشاكل التي لا حصر لها.

يعد فهم الفرق بين الحرب والصراع والتنافس أمرًا بالغ الأهمية إذا لم نتمكن من إدراك هذه الفروقات. فقد نعتقد أن كل شيء حرب، مما قد يدفعنا إلى الخلط بين دور العنف في السياسة وخضوعه لها. ومثل هذه الإخفاقات قد تؤجج التوترات خلال فترة التنافس بين القوى العظمى، مسببة الحرب التي نسعى لعدم وقوعها.

الرابط المختصر :