البواعث الأساسية والأفكار الرئيسية في نشوء الولايات المتحدة الأمريكية

بداية نشأة الولايات المتحدة بعد مرور قرن ونصف قرن من بدء الاستيطان المنظم في الأراضي الجديدة ضرورة تحرير الذات الوطنية من سيطرة العهد البريطاني. وتوسيع فرص تنشيط الحياة الاقتصادية لتعظيم حظوظ الثراء.

No photo description available.

كانت الهوية الأمريكية قد تبلورت سماتها المستقلة منذ إنشاء مستوطنة جيمستاون الأولى في فرجينيا عام ثم 1607م. وتوالت المستوطنات على امتداد الساحل الشرقي التي ظلت تعاني سيطرة فروض ملكية الحكم البريطاني بما في ذلك رفع الضرائب الباهظة للتاج البريطاني دونما تمثيل في البرلمان. فقررت أن تتحرر عام 1776م.

وعندما تبين لها أنها لن تنتصر في حرب “التحرير” دون أن تتحد “كونفيدراليا” اتحدت عام 1781 م. ثم عندما أدركت أنها لن تقوى على صيانة استقلالها دون أن تتحد “فيدراليا” اتحدت عام 1788م. بدستور أوجد الولايات المتحدة الأمريكية التي نعرفها اليوم.

تثبيت وحدة البلاد

بعدما تمكن الكيان الجديد من تثبيت أركانه على مبدأين هما:

  • وحدة وطنية غير قابلة للفصم.
  • حكم قائم على التمثيل عبر الانتخاب الحر.

الحرب الأهلية الأمريكية

تعرضت الوحدة لعملية انفصال من قبل الولايات الجنوبية نشب على إثرها صراع داخلي تطور إلى حرب أهلية. دامت من (1861ـ 1865) بين ولايات الشمال “الاتحاد” بقياد الرئيس ابرهام لينكولن  ضد 11 ولاية من ولايات الجنوب “الكونفيدرالية” سعت للانفصال تحت رئاسة جيفرسون ديفيس بسبب الخلاف الجذري حول استمرار أو إلغاء العبودية. التي كان اقتصاد الجنوب يعتمد عليها بشكل كبير، انتهت بانتصار الاتحاد والحفاظ على وحدة البلاد بعدما خلفت 800 ألف قتيل حسب دائرة المعارف البريطانية.

أعادت الوحدة توطيد قواعدها من جديد التي جرى التأكيد عليها لاحقًا عام 1892 في عهد الولاء الذي جاء مؤكدًا أن الولايات المتحدة. أمة واحدة غير قابلة للتجزئة مع الحرية والعدالة للجميع.

أما مبدأ الانتخاب الذي كان محصورًا في البداية على البيض فقط ومشروطًا بدفع ضريبة ثم تم تعديله ليشمل السود عام 1870. وعدل مرة ثانية ليشمل النساء عام 1920 عدل ثالثًا ليلغي شرط دفع الضريبة لممارسة حق التصويت. وبغير تعديل دستوري أُجيز حق التصويت للسكان الأصليين عام 1924.

No photo description available.

جيفيرسون ديفيس

الأفكار الرئيسية للكيان الفيدرالي الموحد

تعددت المصادر الفلسفية للأفكار التي من وحيها جرى تنظيم هيكل الدولة وتحديد سلطات الحكومة. وكفلت حقوق وحريات المواطنين، ويتلخص الأمر في عدة رؤى نوجزها فيما يلي:

الرؤية الأولى، فكرة الحقوق غير القابلة للنزع الواردة في إعلان الاستقلال (4 يوليو 1776) في العبارة المشهورة المقتبسة عن الفيلسوف البريطاني جون لوك: “نحن نعتبر هذه الحقائق واضحة بذاتها، أن الناس جميعا يخلقون متساويين. أنهم يمنحون من خالقهم حقوقًا معينة غير قابلة للنزع، أن منها الحياة، الحرية، البحث عن السعادة”.

الفصل بين الكنيسة والدولة، المأخوذة من جان جاك روسو إلا أنه في التعديل الأول للدستور جرى اقتران فكرة الحرية مع ممارسة شعائر الدين. ويحظر على الكونجرس مطلقًا سن أي قانون يؤسس دينًا للدولة أو يحد من حرية ممارسة شعائر أي دين.

الموازنة والمراقبة بين سلطات الحكم، وفكرة اعتبار الثورة على الحكومة ليس حقًا للشعب فحسب بل واجبًا عليه إذا أخلت بعهدة الحكم.

فكرة تقسيم الحكم إلى سلطة تشريعية وأخرى تنفيذية ثالثة قضائية، وهي مأخوذة من الفيلسوف  الفرنسي تشارلس مونتيسكيو . وفي ذلك تم التأكيد على أنه إذا اجتمع أي اثنين من هذه السلطات بيد شخص واحد فإن طغيانًا سيحدث.

السيادة للشعب والحكومة توجد لتخدم الشعب

حصر وظيفة الدين في مجال القيم الأخلاقية، وفي غير ذلك يعتبر اعتماد منظور فكري منسق مع العلم المستكشف دأبًا من سنن الطبيعة وحقائق الكون.

لوك وفلسفته السياسية (موسوعة ستانفورد للفلسفة)

لوثر وديكارت وروسو... حين يهبط الإلهام الصاعق فجأة

الرؤية الثانية، هي رؤية تم تشخيصها كفلسفة أمريكية ذاتية برزت بعد مرور قرن من الرؤية الأولى، فأولت الخبرة الأمريكية دفعًا قويًا، جعلتها متمايزة عن فلسفة التنوير الأوروبية. انبعثت هذه الرؤية على إثر الثورة الصناعية في إنجلترا، فجاءت عاكسة  للتقدم الذي تحقق على أرض الواقع، من عملية إعادة تعمير الجنوب، ومد سكك الحديد، واختراع الهاتف والمصباح وبناء ناطحات السحاب، وتصنيع السفن الحربية وتطوير معدات وأساليب صناعية وزراعية عديدة، فاستشعرت الأمة الأمريكية في ذاتها نبضًا جديدًا ودافعًا إلى صنع المستقبل بدون حدود نحو غزو الفضاء.

This may contain: two astronauts in outer space floating above the earth

الرؤية الثالثة، وهي رؤية فلسفية رائدة بحلول عام 1900 غدت الولايات المتحدة خمسًا وأربعين ولاية وبلغ تعدادها ما يزيد على 76 مليون نسمة. ولها ميزانية سنوية تقارب حينها ستمائة مليون دولار. كان المجتمع يزخر بنشاط فكري وعملي متنامٍ ومتطور. أفكار تتنافس، وجهود تتزاحم، وعلوم تتفتق، وطموح متزايد يحدو الناس إلى التمدد والتوسع في استصلاح أرض شاسعة. واستثمار موارد جمة، ويناء حياة موفورة لأنفسهم ولذرياتهم في العالم الجديد.

هذا المناخ الواعد بمزيد من التقدم واليسر المعيشي من جهة، والمطالب بممارسة مزيد من الدقة والاتقان في الفكر من جهة أخرى، صاغ منه الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي تشارلس ساندرس بيرس. رؤية فلسفية رائدة تحث على اتباع قاعدة في البحث العلمي. مفادها أن قيمة أيما مدرك عقلي، تكمن في الأثر العملي الذي ينتجه بعد تمام التطبيق، في إشارة إلى ذلك الترابط العضوي بين التنظير والتطبيق.

تشارلز ساندرز برس - ويكيبيديا

مما سبق يمكننا أن نخلص إلى الملاحظات التالية

أن البناء الدستوري الأول للخبرة الأمريكية قام على أفكار مقتبسة في معظمها من التنظير الفلسفي الأوروبي.

الأمريكيون أقل الأمم اكتراثًا بالفلسفة، ومع ذلك فهم يفكرون ويتصرفون، وكأنهم ينطلقون من رؤية فلسفية مشتركة. ففلسفتهم فيهم يعيشونها في واقع الحياة.

ستظل أمريكا تحت امتحان مستديم، وبقدر اجتهادها في الأمس جاء تقدمها اليوم، وبقدر رجاحة اجتهادها اليوم يكون تقدمها في الغد.

قامت الدولة الأمريكية على دستور، لم يكتف بتأصيل الأفكار والحقوق التي نشأ عليها، بل أوجد مؤسسات حيوية تحميها، وتعمل تباعًا على تطويرها.

حافظ الخلف من الأمريكيين على جوهر ما وضعه السلف، ثم طوروا محاوره السياسية والمدنية إلى ما هو أوفى وأحسن.

حقوق الإنسان في الدستور الأمريكي وتعديلاته ( لائحة الحقوق ) - الايام نيوز

بقي الدستور هو الوثيقة الحيوية الوحيدة الحاكمة للحياة الوطنية التي هيأت للأمة:

  • مناخ التمتع بالاستقرار ومواصلة التقدم.
  • تمكين الدولة من أن تتوسع مساحة وتكبر تعدادا وتستوعب التعددية في الثقافات والأديان والأعراق.
  • أنه لا خصوصية للفلسفة أو الدين.
  • أن القاسم الحضاري بين المواطنين هي مبادئ الحرية. مبادئ المساواة والعدل والكرامة. ومعيار الجدارة هو مدى الالتزام بهذه المبادئ تنظيرًا وتطبيقًا.
الرابط المختصر :