صلة الرحم بين الواقع والمشاعر.. القرب تصنعه المودة

من نعم الله البشر المودة والتواصل والتراحم بين الأهل والأقارب. وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى ألا نقطع صلة الرحم بيننا وإلا ننال إثرها إثمًا عظيمًا. لما لهذه العلاقة من شأن عظيم عند المولى عز وجل وتأثير بالغ ومباشر في نفسية الآباء والأبناء على حد سواء.

ونجد كثيرًا ممن يغترب بعيداً عن أهله ووطنه يختلجه الشعور بالحنين والشوق وبعضهم تتآكل أفئدتهم من أمراض نفسية واضطرابات الوحدة والبعد والفراق.
ويشكل الأبناء معظم ضحايا الغربة لنشأتهم البعيدة عن أحضان أجدادهم ودفء لمتهم فلا يدركون معنى لصلة الأرحام العمة أو العم، الخالة أو الخال، وتمتد جذور البعد للأقارب.
يخلق هذا معاناةً لا مفر منها ويرتسم أمامهم جوهر العزلة الحقيقية فيفتقدون حس الحنان والاطمئنان وفي هذا ينقسم الناس عمومًا إلى فئتين، فئة تميل الى أهل الأب، والأخرى تميل إلى أهل الأم، وكل منهما له مواقفه وحججه.

أيهما أقرب، العمة أم الخالة؟

تميل بعض الآراء إلى تفضيل الأقارب من جهة الأم، خصوصًا عندما تكون العلاقة اليومية معهم أكثر حضورًا وتواصلاً وتنشأ مشاعر القرب والألفة إثر قضاء وقت أطول مع الخالات والأخوال وأبنائهم. ويرتبط هذا التوجه باعتقاد شائع بأن أهل الأم قد يظهرون قدرًا أكبر من التعاطف والاحتواء تجاه أبناء ابنتهم فينعكس ذلك بوضوح على الروابط العاطفية داخل الأسرة الممتدة.

وفي المقابل، يؤكد آخرون أن مكانة الأهل والأقارب لا تقبل المفاضلة، فلكل طرف معزته الخاصة ودوره في حياة الفرد. ويستند هذا الرأي إلى قناعة بأن الإنسان، مهما ابتعد أو اغترب، يبقى مرتبطًا بجذوره العائلية، ويظل في حاجة إلى شبكة الدعم التي توفرها الأسرة.

كما يجمع كثيرون على أهمية تعريف الأطفال بأقاربهم من الأجداد والعمّات والخالات وأبنائهم. لما لذلك من أثر إيجابي في تعزيز شعورهم بالانتماء والاستقرار النفسي. ولا شك أن الزيارات العائلية والتواصل المستمر يسهمان في بناء ذكريات مشتركة وروابط طويلة الأمد. ويعززان الإحساس بالأمان الاجتماعي.

الدم لا يصبح ماء

يرى بعض الشباب أن العلاقة مع الأقارب من جهة الأب والأم على حد سواء تشكل مصدرًا مهمًا للدعم والانتماء، بعيدًا عن أي تمييز بين الجانبين. فكثيرًا ما ترتبط أجمل الذكريات العائلية بالتجمعات في بيوت الأجداد والعمّات والخالات. حيث تتكوّن صداقات مبكرة بين أبناء العائلة تمتد لسنوات طويلة. ويستند هذا التصور إلى قناعة راسخة بأن روابط الدم تبقى أقوى من أي خلافات عابرة. وأن المشكلات الأسرية أمر طبيعي لا يخلو منه أي بيت.

في المقابل، يميل آخرون إلى الاعتقاد بأن أقارب الأم غالبًا ما يكونون الأقرب عاطفيًا للأبناء استنادًا إلى أمثال شعبية متداولة تبرز مكانة الخال والخالة ويرتبط هذا الشعور بدرجة الراحة والعفوية في التعامل. والتي قد يجدها البعض بصورة أكبر لدى أهل الأم دون أن يعني ذلك انتقاصًا من مكانة أهل الأب أو التقليل من أهميتهم.

وتتفق العديد من الآراء على أن متانة العلاقات داخل الأسرة الممتدة تنعكس بشكل مباشر على استقرار الحياة الزوجية وتوازن الأبناء النفسي والاجتماعي. فحين تسود المعاملة الحسنة والاحترام المتبادل بين الزوجين وأهل كل طرف. ينعكس ذلك أجواءً من الطمأنينة والانسجام داخل الأسرة أما في حال غياب هذا التفاهم. فقد تتصاعد التوترات لتؤثر سلبًا على العلاقة الزوجية، ويجد الأبناء أنفسهم وسط صراعات لا ذنب لهم فيها.

وبين هذه الرؤى المختلفة، يبقى العامل الحاسم في قوة العلاقات الأسرية هو جودة التواصل. وصدق المشاعر وقدرة الأفراد على تجاوز الخلافات حفاظًا على الروابط العائلية.

المودة لا تعتمد على درجة القرابة

تتباين وجهات النظر حول مدى قرب العمّات والأعمام مقارنةً بالخالات والأخوال. ويعتمد ذلك في كثير من الأحيان على طبيعة البيئة الأسرية وظروف التنشئة. ففي الحالات التي ينشأ فيها الأبناء داخل بيت يضم أهل الأب، تتعزز الروابط اليومية، ما يجعل العلاقة أكثر حضورًا وتأثيرًا في حياتهم.

ويرتبط مستوى القرب أيضًا بطبيعة العلاقة بين الزوجة وأهل زوجها. إذ تلعب هذه العلاقة دورًا محوريًا في تشكيل مشاعر الأبناء تجاه عائلة الأب. فكلما سادت أجواء التفاهم والاحترام، انعكس ذلك إيجابًا على مشاعر الأبناء وانتمائهم. في حين أن الخلافات أو التوترات تؤدي إلى فتور العلاقة، تصل إلى تباعد تدريجي بين الأبناء وأقاربهم من جهة الأب.

ويرى مختصون اجتماعيون أن التوتر الأسري المستمر قد ينعكس على الحالة النفسية للأطفال. مؤثرًا في ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التفاعل الاجتماعي. لا سيما إذا افتقروا إلى بيئة داعمة ومتوازنة داخل الأسرة الممتدة.

في المقابل، يؤكد كثيرون أن القرب العاطفي لا يقاس بدرجة القرابة وحدها، بل يرتبط أساسًا بطبيعة الشخص وسلوكه وأسلوب تعامله. فقد تكون بعض العمّات أو الخالات أكثر قربًا من غيرهن، تبعًا لروح المودة والتواصل الإيجابي، بعيدًا عن الاعتبارات الشكلية للصلة العائلية.

ثلثين الولد لخاله

يثير المثل الشعبي «ثلثين الولد لخاله» جدلًا واسعًا في المجتمعات العربية، حيث تتباين الآراء حول مدى قرب الخال أو العم من الأبناء. تبعًا لطبيعة العلاقة الأسرية وتجارب الأفراد الشخصية.

يرى البعض أن الخال غالبًا ما يمثل مساحة من القرب العاطفي والدفء، إذ لا يرتبط عادةً بدور سلطوي مباشر. بخلاف العم الذي قد ينظر إليه أحيانًا بوصفه امتدادًا لهيبة الأب أو سلطته داخل الأسرة. ويستند هذا التصور إلى تجارب يعتبر فيها الخال أكثر عفوية وكرمًا في تعامله. وأقل رسمية في حضوره، ما يعزز شعور الألفة والارتياح لدى الأبناء.

في المقابل، يذهب آخرون إلى أن العم يحتل مكانة خاصة، لكونه يمثل صورة قريبة من الأب. سواء من حيث الدور الأسري أو أسلوب التعامل ويعزز هذا القرب ارتباط الأبناء العاطفي بوالدهم.فينعكس على نظرتهم للعم باعتباره امتدادًا طبيعيًا له.

كما تستحضر في هذا السياق أمثال شعبية أخرى تشير إلى أن حنان الخال نابع من كونه شقيق الأم التي ينظر إليها تقليديًا. باعتبارها مصدر العاطفة والاحتواء داخل الأسرة في حين يلاحظ أن كثيرًا من الأعمام يميلون إلى تبني دور أقرب إلى الأب. سواء في حال حضوره أو غيابه لتوحي بطابع أكثر رسمية مقارنة بعلاقة الخال بأبناء أخته.

وبين هذين التصورين، تظل طبيعة العلاقة مرهونة بالظروف الأسرية، وشخصيات الأفراد. وحدود الأدوار داخل العائلة أكثر من ارتباطها بقاعدة ثابتة أو مثل شعبي متداول.

الرابط المختصر :