قوت القلوب الدمرداشية اسم لا يعرف عنه الناس إلا القليل. رغم أنه يعني الكثير. فهذه المرأة ليست فقط ابنة عائلة ثرية عريقة ضاربة بجذورها إلى زمن المماليك. وصاحبة الطريقة الصوفية الفريدة من نوعها. وليست فحسب ابنة الرجل الذي تبرع بالمال والأرض لإقامة مستشفى خيرى يحمل اسمه. على مسافة ليست بعيدة من قصره ومسجد العائلة القديم المبنى فوق زاوية المحمدي الدمرداش الكبير التي بناها في عصر المماليك.
ولا هي فقط والدة شيخ الطريقة الدمرداشية أحمد الدمرداش ربما كان ذلك كله أو بعضه ما يعرفه القليلون خصوصًا من سكان حي الدمرداش القريب من العباسية.
إلا أن الأهم والذى يعرفه الغرب أكثر منا هو أن قوت القلوب أديبة لها ثقلها وكتاباتها تحمل الكثير من الأفكار التحررية الرائدة بالنسبة للمرأة. والتي كثيرًا ما رددتها في صالونها الأدبي الذي استقبل أعظم الأدباء المصريين والأجانب. هذا إلى جانب أنها هي التي منحت نجيب محفوظ أول جائزة في حياته ينالها في الأدب.

نشأة الكاتبة نور القلوب
ولدت قوت القلوب الدمرداشية في قصر والدها عبدالرحيم باشا الدمرداش عام 1892، ونشأت نشأة إسلامية راسخة. فقد تربت على صوت الأذان الذي ينطلق خمس مرات في اليوم. وأصوات تكبير الصوفية في حلقات الذكر التي تقام أسبوعيًا في مسجد عائلتها اللصيق بالقصر.
وقد انعكس ذلك فيما بعد في رواياتها الأدبية التي لم تكن تبدأها إلا بآيات من القرآن الكريم أو بحديث شريف. وفي روايتها “ليلة القدر” التي أهدتها لوالدها نجدها قد كتبت تؤكد ملامح هذه النشأة الدينية. لقد ولدت تحت أقدم مئذنة منذ بدأت أسمع فإن اسم الله الذي يذاع خمس مرات في اليوم في أذان المؤذن قد دخل قلبي.

لكن تلك النشأة الدينية الصوفية لم تجعل الباشا يحبس ابنته في قمقم. بل على العكس تمامًا فقد تربت قوت القلوب كسائر بنات العائلات الأرستقراطية ولاقت تعليما مناظرًا لهن. واهتمت بالأدب والثقافة لم ينغص عليها حياتها آنذاك سوى زواجها تزوجت من رجل أقل منها اجتماعيًا واشترطت لنفسها حق العصمة، وأنجبت منه ثلاثة أولاد وابنة واحدة. ولهذا على ما يبدو لم تستمر تلك الزيجة طويلًا. وقد احتفظت قوت القلوب بحضانة أولادها.
عاشقة الأدب والفن
بغض النظر عن قصص الحب والزواج والطلاق في حياة قوت القلوب فإنها كانت تمارس حياتها وتشبع روحها العاشقة للفن والأدب. فقد ظلت تحرص على حضور حفلات الأوبرا والباليه والموسيقى الكلاسيكية مصطحبة أولادها معها.
ونظرًا لحبها الشديد للأدب قامت بتخصيص جائزة للأدب الجديد. فاز بها عام 1940 الأديب نجيب محفوظ، كأول جائزة يحصل عليها وقيمتها 20 جنيها. ونالها أيضًا عادل كامل وآخرون وكان بيتها مزارًا لكل كتاب العالم الذين أتوا إلى مصر مثل فرانسوا مورياك. المؤلف المسرحي جون كوكتو والأديب الفرنسى روجيه كابو الذى استضافته في قصرها.
كما كانت تحب السفر والرحلات وتقضى إجازاتها السنوية في أوروبا بين فرنسا والنمسا وأثناء الحرب العالمية الثانية. وتوقف المواصلات الى أوروبا، لجأت إلى السياحة الداخلية لتتعرف على الغردقة والقصير والواحات.

ومن جانب آخر، واصلت قوت مشوار والدها الخيرى، فكانت تتبرع بألف جنيه سنويًا لكلية طب عين شمس. للإنفاق على البحوث التي كان يجريها الدكتور بول غليو نجي على الغدد الصماء.
كما فتحت مكتبتها الخاصة التي تضم آلاف كتاب لطلاب الجامعة. وكانت تنفق على بعض الطلاب لإتمام تعليمهم وتبرعت بألفي جنيه لإنشاء مكتبة طبية في مستشفى الدمرداش.
فقد كانت شديدة الاهتمام بالعلم والعلماء لذا اهتمت كثيرًا بتعليم أبنائها، فقد درس أحمد وعبدالرحيم الهندسة. ودرس مصطفى الحقوق، ومحسن الطب. كما حصلت ابنتها الوحيدة زينب على البكالوريا وتزوجت من علي أمين الكاتب الصحفي الراحل.
الأديبة المجهولة
الجانب الأهم في شخصية قوت القلوب والذي ظل مجهولًا في الأوساط المصرية لسنوات هو الجانب الأدبي على الرغم من الاهتمام بأعمالها في العالم كله. حتى إن كبار الكتاب في فرنسا قدموا لرواياتها مثل: مورياك كريستين نوبليكور؛ لأنها قدمت عالم الشرق الساحر في لغة فرنسية سليمة.
وقدمت قوت القلوب خمس روايات معروفة لدى الجمهور الأوروبي عامة والجمهور الفرنسي خاصة هي حريم (1937) – زنوبة (1947) ليلة القدر (1954) – رمزة (1958) – حفناوي الرائع (1961).
وقدم كتبها للجمهور الفرنسي عضو الأكاديمية الفرنسية والأديب المعروف فرانسوا مورياك. وتمت ترجمة بعض كتبها إلى الألمانية. وظلت قوت القلوب كأديبة مجهولة في مصر حتى قام المترجم دسوقي سعيد بترجمة روایتیها «رمزة» و «زنوبة» إلى العربية.

والواقع أن قوت القلوب قد عرفت طريقها إلى الأدب في سن متأخرة نسبيًا. فقد بدأت الكتابة وقد تجاوز عمرها الخامسة والأربعين. ونشرت كتابها الأول عن دار المعارف باللغة الفرنسية عام 1937 تحت عنوان «مصادفة الفكر». وفى العام نفسه نشرت روایتها حريم عن دار جاليمار الكبرى، وهي الدار نفسها التي نشرت في العام نفسه ترجمة “الأيام” للدكتور طه حسين.
ومارست قوت القلوب الكتابة باللغة الفرنسية التي كانت تجيدها عائلات مصر الأرستقراطية قبل الثورة وهذا ما جعلها أديبة مجهولة في مصر والعالم العربي وهذا أيضًا ما جعل د. طه حسين ينتقدها قائلًا: إن موهبة قوت القلوب يعرفها قراء الفرنسية ولن يعرفها قراء العربية، وستعرفها باريس ولن تعرفها القاهرة، ولو عرفها القراء فلن يتعرفوا على أدبها وفكرها؛ لأنها تكتب بالفرنسية.
دفاع عن المرأة
المرأة كانت محور كتابات قوت القلوب خصوصًا ما يمس أوضاعها في المجتمع الشرقي. ولم يكن هذا غريبًا على الكاتبة التي نشأت في قصر أبيها الذي لم تكن تبعد عن مساكن العامة والفقراء. وكثير منهم كان يخدم في قصر الباشا.
ومن خلال احتكاكها بالنسوة اللائي كن يمثلن المرأة المصرية استطاعت أن تتعرف على أحوالهن الأسرية. وطقوس حياتهن اليومية عند الزواج والولادة والاحتفاء بسبوع المولود والموت. وقد جاءت عناوين رواياتها لتكشف عن اهتمام قوت القلوب بالمرأة الشرقية.
من جانب آخر تأثرت قوت بظروفها الشخصية التي نجمت عن اعتناق والدها لتقاليد مجتمعه. التي تنتصر لميلاد الذكر بوصفه الحامي والوريث والامتداد.
وقد كان هذا الأمر يؤرق والدها الذي لم ينجب من زواجه الأول سوى ابنته حميدة، ومن زوجته الثانية قوت القلوب. ومن منطلق إحساسها بوالدها، حرصت قوت القلوب على إضافة اسم الدمرداش إلى أسماء أبنائها جميعًا. لذلك نجد مناقشة في رواياتها لوضع الذكر والأنثى في الأسرة المصرية.
إلى جانب ذلك تأثرت قوت القلوب بالإمام محمد عبده وقاسم أمين وأفكارهما التنويرية بالنسبة للمرأة. ولا عجب أن نقرأ في رواياتها عبارات عن تحرير المرأة كأن لا تود أن تعامل كسلعة أو مضى عهد استعباد المرأة أو تختار زوجها بنفسها.
وفي مقدمة روايتها رمزة تقول: “لقد تورطت في هذه القضية منذ نصف قرن فرزت فيها أسوار الحريم..” تمردت وثرت على عادات القرون الماضية. ووضعت أمام الرأي العام قضية الحرية وحقوق المرأة وخاضت حربًا ضد المحافظين على التقاليد القديمة.. وسددت مدافع الأفكار الجديدة.

الحصاد المر
وإذا نظرنا إلى الروايتين اللتين قدمهما للقارئ العربي المترجم دسوقي سعيد. سنجد روایتها رمزة تدور في عالم الجواري والحريم. داخل قصور حاشية الخديوي والأرستقراطية المصرية و «رمزة» فتاة اختطفت من مستعمرات البلقان العثمانية.
وانتهى بها الأمر في مصر؛ حيث اشتراها رجل أرستقراطي مصري مثقف وتزوجها وأنجب منها ابنته «رمزة». التي تعرفت في بيت والدها على أفكار تحرير المرأة. وحاولت تطبيقها عندما أحبت فارسًا مصريًا في الجيش المصري وتمردت على أبيها الذي رغم ما عرفته عنه من ليبرالية. فإنه ظل يعتنق نفس الأفكار التقليدية.
وتتصاعد الأحداث عندما تحكم المحكمة بالتفريق بين رمزة وهذا الزوج الذي ينتمى إلى الطبقة البرجوازية. وفي رواية «زنوبة» تنقلنا قوت القلوب إلى حياة الطبقة المتوسطة المصرية. في مطلع القرن العشرين من خلال زنوبة التي يفشل زواجها الأول الذي تخرج منه عذراء كما هي ليتم تزويجها من رجل كبير السن. وتنضم إلى قائمة حريمه وتأخذنا السطور إلى نمط الحياة بين الزوجات والمكائد التي تدبرها كل واحدة للأخرى. الشطر الثاني في حياة قوت القلوب كان تراجيديا تلاحقت خلاله الأحداث بسرعة البرق وانتهت نهاية مأساوية.


















