«كوكو شانيل».. أيقونة الموضة العالمية

بضعة منازل نصف خشبية ونوافذ مغلقة، مكان صغير هادئ كان يومًا ما موطنًا لواحدة من أشهر مصممات الأزياء في العالم ولم تكن سجلات حياتها المبكرة أكثر أهمية في بلدة سومور الفرنسية الصغيرة؛ حيث ولدت طفلة صغيرة تُدعى غابرييل بونور شانيل عام 1883 “كوكو شانيل”.

بدأت حياتها في فقر مدقع؛ حيث كافح والداها غير المتزوجين لتأمين لقمة العيش. وكانت أمها تعمل بخدمات الغسيل بداخل مستشفى فرنسية خيرية تديرها راهبات، وقد فارقت أمها الحياة وتركتها وحيدة تتعلثم في كلامها وهي في عمر الثانية عشر.

 

طفولة ومراهقة قاسية

 عجز والدها عن إعالة أطفاله الخمسة، فأرسل “غابرييل” وشقيقاتها إلى دار أيتام تديرها الراهبات.

كانت حياة قاسية ووحيدة، لكن هناك تعلمت “غابرييل” الخياطة. هذه المهارة ستصبح فيما بعد أساس إمبراطويتها.

ولم يكن أحد ليتخيل أن هذه الطفلة التي وُلدت في هذه الظروف الصعبة ستغير الموضة في العالم بعد أن هجرهن والدهن. وبقوا هناك حتى بلغت “شانيل” الثامنة عشرة من عمرها. ويعتقد أن التقشف الذي عاشته “شانيل” في “أوبازين” طوال حياتها هو ما رسّخ لديها ميلًا دائمًا لتصاميم الأزياء أحادية اللون.

كيف تحولت إلى “كوكو شانيل”؟

مع نضوج “غابرييل” وتحولها إلى شابة، بدأت الغناء في ملاهي فيشي ومولان، وعرفت بالغناء في حفلات موسيقية للجنود المحليين. ومن بين أغانيها “Qui qu’a vu Coco”  من رأى كوكو؟ وهي أغنية عن فتاة صغيرة تفقد كلبها في ساحة تروكا دير بباريس.

كانت غابرييل تتحول إلى كوكو شانيل التي سيعرفها العالم، والتي كانت تحلم بأكثر من مجرد الغناء على المسرح. فقد أرادت أن تبدع، أن تصمم، أن تترك بصمتها في العالم. ولأنها لم تتلقَ أي تدريب رسمي في مجال الأزياء، اعتمدت “كوكو” على موهبتها الفطرية وحدسها.

في سن الثامنة عشرة، حصلت “شانيل” على منحة دراسية في مدرسة “نوتردام” الداخلية في “مولان”. بعد تخرجها، وجدت لها رئيسة الدير وشقيقتها أنطوانيت عملًا كخياطتين في محل أقمشة بالمدينة. وهناك بدأت تتعرف على ضباط الجيش؛ حيث كانت عدة كتائب عسكرية متمركزة في “مولان”.

ورغم غناءها إلا أن صوتها كان ضعيفًا وفشلت في العثور على عمل مستمر بأي مسرح، وقد أحبت ضابط سابق بالجيش الفرنسي، وعانت معه من حياة متقلبة ما بين حب وكراهية وخيانة، ثم ارتبطت بضابط آخر كان يشتري لها الكثير من الملابس والعطور، حتى أحبت الموضة وكل ما يتعلق بها. وقد دخلت في نوبة اكتئاب عندما مات هذا الضابط في حادث سيارة.

وعندما انتقلت “شانيل” إلى سويسرا كتبت أن موت هذا الضابط كان خسارة فادحة لها؛ لأنها أحبته وارتبطت به للغاية. كان موته زلزالًا هز ثقتها بنفسها، إلا أنه كان أول من لفت انتباهها لعالم الموضة والأزياء.

 

صناعة القبعات.. وسيلة شانيل للهروب من الذكريات السيئة

بدأت “كوكو” بتصميم القبعات عندما بلغت الخامسة والعشرين وافتتحت أول متجر لها في باريس عام 1910 بمساعدة رجال أثرياء التقت بهم خلال مسيرتها، مثل إتيان بالسان وآرثر “بوي” كابيل.

عرّفتها هذه العلاقات على عالم الطبقة الراقية وأثّرت في تصاميمها ورؤيتها الإبداعية. وسرعان ما جذبت إبداعاتها البسيطة والأنيقة انتباه النخبة الباريسية، وبدأ مشروعها التجاري بالازدهار.

المتجرً كان لبيع  القبعات تحت اسم “شانيل مود”، ثم أٍسست متجر ملابس، وكانت تصنع هذه الملابس من أقمشة متواضعة مثل الجيرسيه والتريكو، لكنها نجحت في تحقيق مبيعات متميزة بسبب تميز موقع هذا المتجر، إلى جانب التصميم المميز لهذه الملابس.

ثم تطورت أعمال “شانيل” حتى أصبحت تبيع طرازات متنوعة من القبعات والسترات والقمصان والمعاطف. وكان يدعمها في ذلك بعض أفراد أسرتها، مثل أختها انطوانيت وعمتها أدرين؛ إذ كانت أختها وعمتها تتجولان حاملتان منتجات “شانيل” للترويج لها بين الناس.

لم يكن استخدام “شانيل” لأقمشة الجيرسي عمليًا فحسب؛ بل كان مناسبًا أيضًا للزي العسكري السائد خلال الحرب، وأظهر قدرتها على الاستجابة لاحتياجات النساء في الأوقات الصعبة.

الحاجة أم الإختراع

كان إصرار “كوكو” وإبداعها واضحين منذ بداياتها كمصممة أزياء. فعندما لم تكن تملك ثمن الأقمشة اللازمة لصنع قبعاتها، كانت تزور أسواق السلع المستعملة المحلية وتعيد استخدام القمصان القديمة وغيرها من المواد.

إعادة تعريف الموضة

لكن طريق “كوكو” نحو النجاح لم يكن سهلًا. فقد واجهت العديد من التحديات، بما في ذلك اندلاع الحرب العالمية الأولى. ما أجبرها على إغلاق مشروعها مؤقتًا.

لم تثنِها هذه التحديات؛ بل استغلت “كوكو” هذا الوقت لتجربة تصاميم وأقمشة جديدة؛ بما في ذلك قماش الجيرسيه، الذي كان يستخدم تقليديًا في صناعة الملابس الداخلية الرجالية.

وأدركت “كوكو” إمكانات هذه المادة المريحة والعملية، واستخدمتها لتصميم ملابس تُمكّن النساء من الحركة والتنفس بحرية، في خروجٍ عن قيود المشدات السائدة آنذاك. وكما قالت “كوكو” ذات مرة: “الرفاهية مريحة وإلا فهي ليست رفاهية”.

متاجر “كوكو شانيل” للأزياء والعطور الفاخرة

وفي عام 1915 افتتحت شانيل متجرًا لبيع الأزياء الفاخرة، في إقليم الباسك الفرنسي، وقد حققت مبيعات هائلة بعد إقبال الناس على المنتجات التي باتت تعرف بـ”كوكو شانيل”، والتي تميزت بجمال التصميم.

أما في عام 1918 افتتحت “شانيل” متجرًا أكبر للأزياء في باريس، وكانت تعرض فيه أجمل الملابس والقبعات، إلى جانب مجموعة رائعة من المجوهرات والمقتنيات الفاخرة.

وفي عام 1927 كانت “شانيل” تمتلك نحو 5 متاجر تحقق إيرادات كبيرة، ساعدها ذلك في ذيوع شعبيها وشهرتها بين آلاف الناس بأكثر من دولة، ثم تعرفت على الملحن الروسي الشهير إيغور سترافنسكي، وصممت له أزياء رقص فرقة باليه روسي. ولم تكتف بذلك؛ بل وقامت بإنتاج بعض عروض فرقة البالية، فأكسبها ذلك شهرة إضافية.

ركزت تصاميم “شانيل” على الراحة والعملية، وحررت المرأة من قيود الموضة التقليدية. أعادت إبداعاتها الأيقونية، مثل الفستان الأسود القصير، والسترة السوداء القصيرة، وبدلة شانيل، والحقيبة المبطنة، وعطر شانيل رقم 5، ابتكار أزياء المرأة، ولا تزال تعتبر قطعًا كلاسيكية خالدة حتى يومنا هذا. لم تظهر هذه التصاميم إبداع شانيل فحسب؛ بل تعكس أيضًا فهمها لاحتياجات ورغبات المرأة العصرية

وقد ساعدتها علاقاتها الواسعة لتتعرف على مجموعة من المهتمين بتجارة العطور، وهم الإخوة فرتهايمر بيير ووبول، فعقدت “شانيل” مع هؤلاء اتفاقًا لتأسيس كيان تجاري للعطور تحت اسم عطور شانيل. وتضمن الاتفاق أعمال تسويق هذا الكيان والترويج لمنتجاته. ذلك للتغلب على تحديات المنافسة القوية بهذا المجال الذي يلقى رواجًا لدى قطاعات واسعة من النساء في العالم.

النهوض من الرماد

مع ازدياد شهرتها، أصبحت حياة “كوكو” الخاصة أكثر تعقيدًا. فقد أقامت سلسلة من العلاقات مع شخصيات بارزة. من بينها علاقة مع دوق وستمنستر وضابط ألماني خلال الحرب العالمية الثانية. وأدت هذه العلاقة الأخيرة إلى اتهامات بالتعاون مع النازيين. كما ألحقت ضررًا بسمعتها بعد الحرب. اضطرت “كوكو” إلى إغلاق صالونها والعيش في المنفى في سويسرا؛ لتمر بواحدة من أحلك فترات حياتها.

الحرب العالمية تغلق متاجر “كوكو شانيل”

مع بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939، كانت “شانيل” على موعد مع إغلاق متاجرها والحد من أنشطتها. إذ كانت “شانيل” تؤمن أن هذا الوقت لا يلائم الموضة. وقد شهدت هذه الفترة اضطرابات واسعة، وخلال وقت قصير دخلت عطور “شانيل” ضحية للخلافات السياسية.

وفي 17 مايو 1947، حصلت “شانيل” على تعويض عن الأضرار التي لحقتها، بمبلغ يعادل نحو تسعة ملايين دولار في بداية القرن الحادي والعشرين.

وقد تم تقدير أرباحها السنوية بحوالي 25 مليون دولار، وبذلك أصبحت من أغنى النساء في العالم في ذلك الوقت.

“كوكو” رفضت الاستسلام

ففي عام 1954 عن عمر يناهز السبعين، عادت بقوة إلى عالم الموضة وأعادت افتتاح دار أزيائها. وقدّمت مجموعة جديدة أبرزت أناقتها وبساطتها المميزة. بما في ذلك بدلة شانيل الأسطورية وسترة شانيل الشهيرة.

ووقعت النساء حول العالم في غرام تصاميمها من جديد، واستعادت مكانتها كأيقونة للموضة، مثبتةً صمودها وشغفها الدائم بكوكو شانيل .

لم تكن حياتي تُرضيني.. لذلك صنعت حياتي

واجهت “كوكو” طوال حياتها العديد من العقبات، من الفقر وقلة التعليم إلى الفضائح الشخصية والحرب. عانت من حياة صعبة حافلة بالقلق والاكتئاب، ولم تنجح في تجاوز كل هذا إلا بعد كفاح مرير استمر لسنوات طويلة.

لكنها لم تدع هذه التحديات تثنيها عن عزيمتها. بل على العكس، استلهمت منها تصاميمها. فابتكرت أزياءً شجعت النساء على التحلي بالجرأة والثقة بالنفس والصدق مع ذواتهن. وكما أوضحت “كوكو” ذات مرة: “إن أشجع عمل هو أن تفكر بنفسك بصوت عال”.

كانت فكاهة “كوكو” ولسانها اللاذع أسطوريين بقدر تصاميمها. وقالت قولتها الشهيرة: “يجب أن تكون الفتاة شيئين: من هي وماذا تريد”.

ألهم موقفها الشجاع والتزامها برؤيتها أجيالًا من النساء على احتضان فرديتهن وتحدي الأعراف الاجتماعية.

من الفتاة اليتيمة الصغيرة التي تعلمت الخياطة إلى أيقونة الموضة التي غيرت العالم. تذكّرنا رحلة كوكو شانيل بقوة الإبداع والشغف والمثابرة في إحداث تغيير جذري. حياتها وعملها يلهمان أجيالًا من النساء لتقبّل فرديتهن والسعي وراء أحلامهن، مهما كانت العقبات التي تواجههن.

وكما قالت “كوكو” نفسها ذات مرة: “لم تكن حياتي ترضيني، لذلك صنعت حياتي”، ويا ​​لها من حياة رائعة!

رحيلشانيل”.. علاماتها التجارية تجني الأرباح

بحلول عام 1970 تجاوز عمر شانيل 86 عامًا، وأصبحت مرهقة باستمرار من الأمراض المزمنة التي باتت تلاحقها بلا هوادة. حتى رحلت عن الحياة يوم الأحد من شهر يناير عام 1971، في فندق ريتز؛ حيث أقامت هناك لما يزيد عن 30 عامًا.

وقد أقاموا جنازتها في كنيسة مادلين، وكانت جنازة مهيبة حضرت فيها أشهر عارضات الأزياء، وقد غطوا تابوتها بالورود البيضاء. وحضر جنازتها مشاهير الصحفيين والكُتّاب ورجال الإعلام والقادة السياسيين.

وعلى الرغم من أن “شانيل” كانت شخصية شهيرة في عالم الموضة والأزياء والمقتنيات الفاخرة ودخلت في معارك سياسية وصراعات شخصية؛ إلا أنها ظلت ملهمة لقصص النجاح في الحياة والتغلب على مرارات الوحدة والاكتئاب. وكان القاسم المشترك بينها وبين الكثيرات من رائدات الأعمال هو القدرة على مواجهة الصعاب والمثابرة لتحقيق الإنجازات مهما كلف الأمر.

وما زالت العلامات التجارية لـ”كوكو شانيل” تحقق أعلى الأرباح والإيرادات في عالمنا اليوم؛ إذ تزيد أرباحها السنوية عن المليار يورو. ويعمل بكافة علاماتها التجارية آلاف الموظفين والموظفات في متاجر شهيرة ما زالت ترتبط بالموضة والأزياء وصناعة الملابس الفاخرة حتى الآن.

الرابط المختصر :