في 15 يناير عام 1929 كان العالم على موعد لاستقبال رجل رفض أن يخضع للقوانين الظالمة التي لم تساو بينه وبين باقي البشر؛ لأنه “أسود”. في هذا اليوم ولد أشهر الدعاة للمطالبة بالحقوق المدنية “للزنوج” وهو مارتن لوثر كينج الذي ولد من أب يعمل في إحدى الكنائس بمدينة أتلانتا الأمريكية موطن التفرقة العنصرية بين البيض والسود.
كان مارتن يعود إلى البيت باكيًا عاجزًا عن استيعاب لماذا يعامله أبناء جنسه بازدراء؟ ولماذا تمنع الأمهات البيض أطفالهن من اللعب معه ومع أمثاله؟ كان دائمًا يتذكر قول أمه: “لا تدع هذا يؤثر عليك، بل لا تدع هذا يجعلك تشعر أنك الأقل من البيض. فأنت لا تقل عن أي شخص آخر” فتابع دراسته بتفوق رغم مساندته لأبيه في عمله بالكنيسة، وأنهى دراسة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن.

بداية مسيرة النضال
في سبتمبر عام 1954 انتقل مارتن وزوجته إلى مدينة مونتجمري لتبدأ مسيرة النضال. حيث كان السود يعانون الاضطهاد والاحتقار حتى في أصغر تفاصيل حياتهم. وأهمها التنقل من وإلى العمل، كانت شركات خطوط المواصلات بالمدينة تخصص للسود المقاعد الخلفية. ولا تسمح لهم بالجلوس في المقاعد الأمامية، ولا يركبون الباص إلا من الباب الخلفي.
نقطة التحول نحو التحرر
شكّل يوم الأول من ديسمبر 1955 نقطة التحول التي سنحت لمارتن لوثر كينج أن يحرر أبناء جنسه من العبودية. عندما رفضت إحدى السيدات السود أن تخلي مقعدها لإحدى الراكبات البيض. فألقى القبض عليها بتهم مخالفة القوانين وأودعت السجن. حينها اندلعت أعمال العنف في المدينة وانتهج مارتن لوثر كينج مقاومة تعتمد على مبدأ “اللاعنف” منعًا لاندلاع حرب أهلية. وتجلت هذه المقاومة بمقاطعة شركة الباصات لمدة عام فتراجعت إيراداتها السنوية بنحو 70%.

اليوم التاريخي
في 30 يناير اعتقل مارتن لوثر كينج بتهمة “المؤامرة” التي تهدف إلى إعاقة عمل شركة الباصات من دون سبب قانوني. ودام الاعتقال إلى أن قامت 4 سيدات بتقديم طلب إلى المحكمة الاتحادية تطالب فيها بإلغاء التفرقة في الباصات بالمدينة.
أصدرت المحكمة في ذلك اليوم حكمًا تاريخيًا ينص على عدم قانونية “التفرقة العنصرية” حينها ناشد كينج محبيه التراجع عن مقاطعة الباصات. وبعد مرور سنة تحصل مارتن لوثر كينج على ميدالية “سينجارن” التي تمنح كل سنة لمن يقدم مساهمات فعالة.
واحتفالًا بهذه المناسبة وجه كينج خطابه الشهير الذي هاجم فيه السياسيين الجمهوريين والديمقراطيين. مرددًا صيحته الشهير: “أعطونا حق الانتخاب”. ونجح في الحصول على هذا الحق لحوالي 5 ملايين شخص على اللوائح الانتخابية. وفي عام 1962 اجتاحت مدينة برمنجهام تظاهرات ألقي خلالها القبض على لوثر كينج، وتفاقمت أعمال العنف في عهد الرئيس جون كينيدي.
قام “الزنوج” عام 1963 بثورة شارك فيها 250 ألف شخص منهم حوالي 60 ألفًا من البيض متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري. في مظاهرة اعتبرت الأكبر في تاريخ الحقوق المدنية. وهناك ألقي كينج خطبة “أنا أحلم” التي قال فيها: “إنني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يومًا في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم”.
تكريم مارتن لوثر كينج
في العام نفسه أطلقت مجلة “تايم” على كينج لقب “رجل العام”، فكان أول رجل أسود يفوز باللقب. ثم منح في عام 1964 جائزة “نوبل للسلام” لدعوته إلى اللاعنف. وكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة وهو في 35 عامًا.

اغتيال من رفض العنف
في “عيد الحب” 14 فبراير 1968 اغتيلت آمال الشعوب المضطهدة بعد مقتل مارتن لوثر كينج ببندقية أحد المتطرفين المتعصبين من ذوي البشرة البيضاء ويدعى جيمس إرل راي. وكان كينج يستعد قبل وفاته لقيادة مظاهرة كبرى في مدينة “ممفيس” لتأييد إضراب جامعي القمامات. الذي كاد يتفجر في 100 مدينة أمريكية وقد حكم على راي بالسجن 99 عامًا. لكن التحقيقات رجحت فرضية أن يكون الاغتيال متعمدًا، وأن يكون القاتل مجرد أداة! وهكذا لم تمنع دعوته لـ”اللاعنف” المتطرفين من اغتياله.


















