تعد المخرجة السعودية هيفاء المنصور، المولودة في الأحساء بتاريخ 10 أغسطس 1973، شخصية محورية في تاريخ السينما السعودية والعربية، ليس فقط لكونها أول مخرجة سينمائية سعودية، بل لتركيزها الجريء على قضايا المرأة والتقاليد المجتمعية في أفلامها.
نشأة هيفاء المنصور وتكوينها الفكري
نشأت هيفاء المنصور، الثامنة بين اثني عشر شقيقًا وشقيقة، في كنف عائلة ثقافية. فوالدها هو الشاعر والمفكر السعودي عبد الرحمن المنصور، الذي غرس فيها حب المعرفة والفنون، وعرّفها على الأفلام عبر أشرطة الفيديو في وقت لم تكن فيه دور سينما بالمملكة. والدتها هي بهية حمد الصويغ، وشقيقتها هي الفنانة التشكيلية هند عبد الرحمن المنصور.


بتشجيع من والدها، تابعت هيفاء شغفها بالدراسة. وحصلت على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي المقارن من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1997. لم تتوقف رحلتها التعليمية عند هذا الحد. بل واصلت دراستها لتحصل على درجة الماجستير في الفيلم والنقد السينمائي من جامعة سيدني بأستراليا عام 2009. ما صقل رؤيتها الفنية ومنحها الأدوات اللازمة لخوض غمار صناعة الأفلام.
مسيرة فنية رائدة
كما بدأت هيفاء المنصور مسيرتها الإخراجية بأفلام قصيرة لافتة مثل “من؟”، “الرحلة المريرة”. و”المخرج الوحيد” الذي حصد جوائز في الإمارات وهولندا. تبعتها بفيلم وثائقي مؤثر بعنوان “نساء بلا ظل”. الذي ألقى الضوء على الحياة الخفية للمرأة في دول الخليج العربي. وعرض في 17 مهرجانًا دوليًا، حاصدًا جائزة الخنجر الذهبي لأفضل فيلم وثائقي في مهرجان مسقط السينمائي. وجائزة خاصة من لجنة التحكيم في مهرجان الفيلم العربي بروتردام.


كما شكل عام 2012 نقطة تحول في مسيرتها مع إخراج فيلمها الروائي الطويل الأول “وجدة”. الذي قامت بكتابته وإخراجه بالكامل. يعد “وجدة” إنجازًا تاريخيًا لكونه أول فيلم يصور بالكامل داخل المملكة العربية السعودية وتحديدًا في العاصمة الرياض، وأول فيلم يمثل السعودية في سباق الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم بلغة أجنبية.
يروي الفيلم قصة فتاة في العاشرة من عمرها تحلم بامتلاك دراجة خضراء، وقد لاقى دعمًا من شركة روتانا، التابعة للأمير الوليد بن طلال. تم تطوير فكرة الفيلم في عام 2009 ضمن مختبر كتابة السيناريو الخليجي، بالتعاون بين TorinoFilmLab ومهرجان دبي السينمائي الدولي.
على الرغم من أنها لم تكن تنوي في البداية التركيز على قضايا المرأة، فإن هيفاء وجدت أن هذه القضايا بالغة الأهمية ولا يمكن تجاهلها. وتناول فيلميها “من؟” و”نساء بلا ظل” موضوع العباية. ما عرضها لانتقادات ورسائل كراهية اتهمتها بعدم التدين. ما نفته بشدة. ومع ذلك، تؤمن المنصور بأن المجتمع السعودي بحاجة إلى نظرة أكثر انتقادًا لثقافته، وحظيت بتقدير السعوديين لتشجيعها النقاش حول مواضيع كانت تعد من المحرمات.


إنجازات دولية
كما تجاوزت أعمال هيفاء المنصور الحدود السعودية، ففي عام 2017، أخرجت فيلم “ماري شيلي”. وهو فيلم درامي رومانسي يتناول الحياة المبكرة للكاتبة ماري شيلي. وعرض لأول مرة في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي. كما أعلنت عن إخراج فيلم “نابولي إلى الأبد” المقتبس من رواية تحمل نفس الاسم للكاتبة تريشا توماس.
بينما جرى اختيارها كعضو لجنة تحكيم في مسابقة “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي عام 2015. ما يعكس مكانتها الدولية المرموقة. وفي يناير 2019، حصلت على جائزة كريستال في اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. تقديرًا لدورها في قيادة التحول الثقافي في العالم العربي.
تواصل هيفاء المنصور مسيرتها الفنية بإخراج أعمال عالمية، ففي أبريل 2020، أُعلن أنها ستخرج فيلم نتفليكس القادم “الاختيار” المقتبس من رواية لكيرا كاس، كما أخرجت في العام نفسه الحلقة الخامسة من المسلسل الأمريكي “طائر الرب الصالح”.


نموذج للإبداع والتحدي
كما تجسد مسيرة هيفاء المنصور نموذجاً للإبداع والتحدي، إذ لم تكتفِ بتحقيق حلمها في صناعة الأفلام. بل استخدمت الفن كمنصة لمعالجة القضايا المجتمعية. لتترك بصمة لا تمحى في تاريخ السينما السعودية والعالمية. بينما تم اختيارها ضمن مجلس إدارة هيئة الأفلام السعودية في 26 يوليو 2020. وأعيد اختيارها في 7 مارس 2024، ما يؤكد دورها المستمر في تطوير المشهد السينمائي في المملكة.


















