هل تسرع العلاقات المرهقة شيخوخة الجسم؟

لا يرتبط الحفاظ على الصحة بالغذاء الصحي وممارسة الرياضة والحصول على قسط كافٍ من النوم فقط، فهناك عامل آخر قد يكون له تأثير لا يقل أهمية، وهو طبيعة العلاقات التي يعيشها الإنسان يوميًا. وبينما تمنح بعض العلاقات الشعور بالأمان والدعم، قد تتحول أخرى إلى مصدر مستمر للتوتر والاستنزاف.

كما تشير دراسة حديثة إلى وجود ارتباط بين كثرة العلاقات الاجتماعية المرهقة وظهور مؤشرات على تسارع الشيخوخة البيولوجية. ما يفتح بابًا جديدًا لفهم تأثير الضغوط الاجتماعية المزمنة في صحة الإنسان.

دراسة تربط العلاقات بالشيخوخة

كما توضح البروفسورة سمر أحمد عامر، أستاذة الطب الوقائي واستشارية الصحة العامة بنمط الحياة في هيئة الصحة العامة «وقاية» بالرياض. أن الاهتمام الصحي ركز لسنوات طويلة على عوامل مثل التغذية والتدخين والنشاط البدني والنوم. بينما لم تحظَ جودة العلاقات الاجتماعية بالاهتمام نفسه، رغم أنها قد تتحول إلى مصدر دائم للضغط.

واستندت الدراسة المنشورة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) إلى بيانات 2345 بالغًا. تراوحت أعمارهم بين 18 و103 أعوام، ضمن عينة ممثلة لسكان ولاية إنديانا الأميركية.

كما جمع الباحثون، إلى جانب المعلومات المتعلقة بعلاقات المشاركين الاجتماعية، عينات من اللعاب لقياس مؤشرات العمر البيولوجي. بهدف معرفة ما إذا كان التعرض المستمر للعلاقات المرهقة يرتبط بتغيرات بيولوجية مرتبطة بالتقدم في العمر.

كلما زادت الضغوط زادت المؤشرات

وبحسب “الشرق الاوسط” كانت النتيجة الأبرز أن الأشخاص الذين لديهم عدد أكبر من العلاقات الاجتماعية المرهقة. أظهروا مؤشرات على تسارع الشيخوخة البيولوجية مقارنة بغيرهم.

كما ارتبط كل شخص إضافي يمثل مصدرًا متكررًا للضغط داخل الشبكة الاجتماعية بزيادة سرعة الشيخوخة البيولوجية. بنحو 1.5%، وأن يبدو العمر البيولوجي أكبر بنحو تسعة أشهر لدى أشخاص في العمر الزمني نفسه.

كما يختلف العمر البيولوجي عن العمر الزمني؛ فالأخير يقيس عدد السنوات التي عاشها الشخص. بينما يعكس العمر البيولوجي مدى تأثر الجسم بعمليات التقدم في العمر على المستوى الخلوي.

ومع زيادة عدد العلاقات التي تمثل مصدرًا مستمرًا للتوتر، ظهرت مؤشرات أكثر سوءًا للشيخوخة البيولوجية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الدراسة أثبتت وجود ارتباط بين العاملين، ولم تثبت أن العلاقات المرهقة هي السبب المباشر لتسارع الشيخوخة.

الأسرة في مقدمة مصادر الضغط

لا تقصد الدراسة بالأشخاص المرهقين أولئك الذين تحدث معهم خلافات عابرة، وإنما الأشخاص الذين تتحول العلاقة معهم إلى مصدر متكرر للمشكلات والضغوط.

كما أظهرت النتائج أن بعض العلاقات ارتبطت بمؤشرات الشيخوخة البيولوجية أكثر من غيرها. وبينما شملت العلاقات المرهقة زملاء العمل ورفقاء السكن والجيران، برز أفراد الأسرة، باستثناء الزوج أو الزوجة، ضمن أكثر مصادر الضغوط ارتباطًا بتسارع الشيخوخة البيولوجية.

وجاء الوالدان والأبناء في المقدمة، يليهم الإخوة والأقارب.

ولا تعني هذه النتيجة أن الأسرة مصدر للمشكلات بطبيعتها، وإنما قد تعكس طبيعة الروابط العائلية التي يصعب الانسحاب منها، وما يجتمع داخلها من مشاعر المحبة والواجب والرعاية والمسؤولية.

أما العلاقة الزوجية، فلم تجد الدراسة ارتباطًا ذا دلالة إحصائية بين اعتبار الزوج أو الزوجة مصدرًا للتوتر. ومؤشرات الشيخوخة التي جرى قياسها، ما لا يعني أن الخلافات الزوجية أو الإساءة لا تؤثر في الصحة.

كيف يؤثر التوتر المزمن في الجسم؟

عندما يواجه الإنسان موقفًا يسبب التوتر، يفرز الجسم هرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين لمساعدته على التعامل مع الموقف. وعادةً ما يعود الجسم إلى حالته الطبيعية بعد زوال مصدر الخطر.

لكن استمرار الضغوط قد يبقي الجسم في حالة استنفار متكررة، ما يعرف بـالحمل التكيفي (Allostatic Load)، أي العبء المتراكم على أجهزة الجسم نتيجة التعرض المستمر للتوتر.

ومع مرور الوقت، قد يرتبط ذلك باضطرابات النوم وضغط الدم والاستجابة المناعية والالتهاب المزمن. وهي آليات قد تكون أحد المسارات التي تربط الضغوط الاجتماعية بالشيخوخة البيولوجية.

ليست دعوة إلى قطع العلاقات

تشدد أ.د. سمر عامر على أن نتائج الدراسة لا تعني ضرورة إنهاء العلاقات الصعبة أو الابتعاد عن الأسرة، كما لا تثبت أن قطع علاقة معينة سيؤدي إلى إبطاء الشيخوخة أو تحسين الصحة.

فالرسالة الأساسية هي الانتباه إلى الضغوط الاجتماعية المزمنة وإدارتها بصورة أكثر توازنًا، من خلال وضع حدود صحية، والحفاظ على الاحترام المتبادل، وطلب الدعم عند الحاجة.

كما تؤكد النتائج أن الصحة لا تتأثر فقط بما نأكله أو مقدار ما نتحركه، وإنما قد تتأثر أيضًا بالبيئة النفسية والاجتماعية المحيطة بنا. لذلك، فإن الاهتمام بجودة العلاقات قد يكون جزءًا مهمًا من الاهتمام بالصحة وجودة الحياة. مع الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد طبيعة العلاقة السببية بين الضغوط الاجتماعية والشيخوخة البيولوجية.

الرابط المختصر :