نيلسون مانديلا (1918ـ 2013) ذلك المناضل السياسي الشرس العنيد الذي قدّم زهرة سنين عمره من أجل بلاده. فحرم خلالها من متعة الحرية في سبيل مكافحة العنصرية حيث قاسى سنوات الذل بجنوب إفريقيا.
إنه السجين الأشهر في التاريخ بعدما تحمّل في صبر وجلد عذاب السجن لأكثر من ربع قرن .مانديلا الرمز الخالد من الرموز المضيئة في دروب الحرية تستحضره الأجيال المتعاقبة بفخر تاريخه وشخصه سيرة ومسيرة. وتظل سنوات نضاله تحظى بتقدير واحترام العالم ويبقى كفاحه نبراسا لكافة المظلومين.

مانديلا رمز المصالحة
أعطى مانديلا الأسطورة مثالا على قدرة الإنسان في تغيير مجرى التاريخ في بلاده، عندما تم إطلاق سراحه عام 1999 أصبح أول رئيس أسود منتخب في بلد عانى عشرات السنين من ظلم الفصل العنصري وتعسف المواطنين البيض في جنوب إفريقيا ، كان يلتمس لجلاديه العذر فهم ينفذون الأوامر فقط ،خرج مانديلا حرا منتصرا ، ممجدا من كل شعبه وأصدقائه .. وأعدائه، فحاز إعجاب العالم .
خرج مانديلا من حبسه الطويل يسعى للمصالحة ويدين العنف في بلاده، انتهج سياسة سمحه فأوصله صدى كلماته إلى دخيلة قلوب الناس أجمعين، فكان جديرا برئاسة بلاده .
استقبلته الملكة إليزابيث الثانية بنفسها في قصرها ، وفتح البرلمان قاعة التشريفات خصيصا له ، وأقام ولي العهد حينها الأمير تشارلز حفلًا كبيرًا بمعية جميع أفراد الأسرة المالكة .

ظل مانديلا يمارس حياته العادية كبقية البشر وبقي التسامح والسماحة لصيقة أيامه ولياليه. في 11 فبراير1990 خرج مانديلا إلى الحرية بعد 27 سنة قضاها في السجن وهو نفسه العام الذي شهد العالم سقوط سور برلين ، وبمجرد خروجه تم التوقيع على وثيقة مصالحة تشمل عفوًا عاما عن جميع البيض الذين ارتكبوا جرائم .
يوميات حياة مانديلا
ظل نظام حياة مانديلا كعادته صارما، ينهض مع الفجر ليمارس رياضة العدو ،بعدها يتجه ليتناول فطورا خفيفا ، ثم يدرس ويعمل طوال اليوم ولا يعود لمنزله إلا في وقت متأخر. تعلم مانديلا الكثير من الثقافة البريطانية ، واحب اللغة الإنجليزية مع احتفاظه بلكنته القروية رافضا أن يصير البريطاني الأسود فظل محتفظا بنبراته الإفريقية.
كان الكتاب الذي أثر في شخصية نيلسون مانديلا رواية ” إبك على البلد الحبيب ” تأليف الكاتب الجنوب إفريقي الأبيض ” آلان باتون” الناشط من أجل حقوق الإنسان، نشرت الرواية لأول مرة في نيويورك عام 1998 ومُنعت من البيع داخل جنوب إفريقيا .

مانديلا ونهج غاندي
سبق أن عاش الزعيم الهندي مهاتما غاندي في جنوب إفريقيا سنين عديدة مع الكثير من الهنود الذين تملكوا فيها الأراضي. واضطروا للدفاع عن ممتلكاتهم من الهجمات العنصرية فتعرضوا للاعتقال والسجن.
لقد زاد إعجاب مانديلا بنظام حياة الهنود وانضباطهم في تحركاتهم ، واحترافهم لفن الخطابة السياسية ، واستعدادهم للتضحية ، فقرر مانديلااعتبار الزعيم الهندي مهاتما غاندي المثال والقدوة.

رؤية مانديلا للكون والإنسان
كان مانديلا يرى في الرجل الأبيض أنه يعد الكون آلة عملاقة تنطلق بقوة عبر الزمان والمكان نحو دمارها النهائي. والأفراد فيها ليسوا سوى كائنات حية ليس لها أهمية.
رسالة مانديلا ان الحق لا يضيع مادام وراءه مطالب. وأن الطريق المطالبة بالحق مشروع يقتضي فقط أن يكون الطريق نبيلا، راشدا ورشيدا. وأن لا ينحرف أصحاب الحق إلى مزاولة العنف المجاني وتدمير الدولة.
كانت رؤيته منفتحة على الآخر حتى لو كان جلاده، وقد عرفت عنه علاقته الحميمية بسجانيه. اعتمد مانديلا على قوة الروح حينما كان يخضع للأشغال الشاقة ويتعرض للمعاملة الأكثر إرهقا وإيلاما. قاوم مشاعر الحقد في قلبه والضغينة في ذاكرته والكراهية في نفسه والغضب في عينيه مستعينا بالصبر والجلد والنسيان.
ظل محتفظا بتلك الابتسامة الآسرة التي لا تكاد تفارق شفتيه ، وظل ثابتا على موقفه مفضلا البقاء في السجن على الحرية المشروطة. ولعله وجد في السجن فرصة لفهم الذات ، والتعرف على الاتجاهات السياسية والفكرية والانتماءات العرقية.

وظل صابرا على المكاره مطالبا بإلغاء نظام الفصل العنصري، واعتبار جميع البشر سواسية بغض النظر عن جذورهم وأعراقهم ودياناتهم. وعندما خرج من السجن لم يتقمص سلوك الثعلب ولم يرتدي ثوب الناسك الذي يختلف ويتآلف. بل مارس حياته العادية كبقية البشر، ظل متمسكا بفرادة الطيبة. محركا عوالمه الداخلية الخصبة بالرفض الثابت للرزايا.
وفاة مانديلا ومآثره
بعد أن قضى خمس سنوات فقط في الحكم (1994 ـ 1999)ترك مانديلا منصبة طواعية بعد أن حقق وحدة بلاده. وأشاع الأمن والاستقرار في ربوعه وخلّص البلاد من حكم العنصرية فاستحق لقب ” حكيم العصر”.
توفي نيلسون مانديلا في 5 ديسمبر 2013 عن عمر يناهز الخامسة والتسعين بمنزله في هوتون ـ جنوب إفريقيا. بعد معاناة من عدوى الجهاز التنفسي.

وكان من أشهر أقواله :
ــالعقل الصالح والقلب الصالح توليفة هادئة دائما.
ــ بعد تسلق تل عظيم يكتشف المرء أن هناك الكثير من التلال ليتسلقها.
ــ التعليم هو أكثر سلاح فتّاك يمكنك استعماله لتغيير العالم .
ــالتسامح الحق لا يستلزم نسيان الماضي بالكامل.
ــ الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم ، والشجاع لا يذوق الموت إلا مرة واحدة.
ــالحرية لا يمكن أن تعطى على جرعات فالمرء إما أن يكون حرا أو لا يكون حرا..















