ندم الإنجاب وصدمة الواقع.. عندما تدفعنا الضغوط الاجتماعية لإرضاء الآخرين

ندم الإنجاب وصدمة الواقع.. عندما تدفعنا الضغوط الاجتماعية لإرضاء الآخرين
ندم الإنجاب وصدمة الواقع.. عندما تدفعنا الضغوط الاجتماعية لإرضاء الآخرين

في مجتمعاتنا، ينظر إلى الإنجاب كخطوة حتمية تلي الزواج مباشرة؛ بل يعتبر الغاية الأسمى التي تمنح الفرد مشروعيته الاجتماعية وجودته الوجودية.

في حديث خاص للدكتور إبراهيم عبد الغني؛ استشاري الصحة النفسية لمجلة الجوهرة، قال : وسط هذا الزخم الثقافي. يتعرض حديثو الزواج لسيل لا ينقطع من الأسئلة الملحة والتلميحات المستمرة من الأهل والمحيط. ما يخلق ضغطًا نفسيًا كبيرًا يدفع بالكثيرين نحو قطار الأمومة والأبوة. هذا الاندفاع لا ينبع عادةً عن رغبة حقيقية أو جاهزية نفسية. بل يأتِ فقط لإسكات الألسن، وإرضاء الغير. علاوة على الامتثال للصورة التقليدية المستقرة في أذهان العامة.

الاصطدام بجدار “صدمة الواقع”

وأكد استشاري الصحة النفسية على ان هذا الاندفاع المدفوع برغبات الآخرين غالبًا ما ينتهي بالاصطدام بجدار “صدمة الواقع”. فالصورة الوردية المثالية التي تروجها الإعلانات ومنصات التواصل الاجتماعي عن طفل هادئ يبتسم طوال الوقت. تتلاشى سريعًا أمام الحقيقة البيولوجية واليومية المعقدة. حيث يجد الوالدان نفسيهما فجأة وسط دوامة من الحرمان المزمن من النوم، والمسؤولية المالية المتصاعدة، والقيود الصارمة التي تبتلع الوقت والمساحة الشخصية بالكامل.

كما أشار إلى ان  ما يزيد الصدمة عمقًا، هو أن الأهل والأقارب الذين مارسوا الضغوط بالأمس ينفضون سريعًا، ليبقى الأب والأم وحيدين في مواجهة أعباء التربية، وتحديدًا الأمهات اللواتي يتأثرن بالتغيرات الهرمونية الحادة واكتئاب ما بعد الولادة.

ندم الإنجاب.. الحب المعلق بالذنب

وأردف قائلًا: “هنا يولد الشعور الأكثر تكتمًا وعزلة في العالم، وهو ندم الإنجاب. وهو مفهوم نفسي معقد لا يعني أبدًا كره الطفل، فالأهل في هذه الحالة غالبًا ما يحبون أطفالهم ويقدمون لهم أفضل رعاية ممكنة، بل هو ندم على “دور الوالدية” والمسؤولية نفسها، وأمنية مضمرة بالعودة إلى الحياة السابقة؛ حيث الحرية والخفة والقدرة على التحكم في المصير الشخصي. يظل هذا الندم سرًا دفينًا يطوق صاحبه بالشعور بالذنب وجلد الذات؛ لأن الثقافة السائدة تصمه بـ “الأنانية” أو “الاضطراب”. ترفض الاعتراف بأن التربية استنزاف يتطلب طاقة قد تفوق قدرة وتحمل الكثيرين”.

نحو والدية واعية وحرة

كما أشار د. إبراهيم، إلى إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من كسر حاجز الصمت المجتمعي والاعتراف بأن الإنجاب قرار مصيري واختيار شخصي بحت، يتطلب وعي فكري، ونضج عاطفي. علاوة على قدرة مادية، وليس مجرد وظيفة بيولوجية نؤديها استجابة لجدول زمني يفرضه الآخرون.

الوالدية الناجحة هي التي تنبع من الرغبة الذاتية الحرة. فأن يختار الزوجان الإنجاب بكامل إرادتهما وجاهزيتهما، خير ألف مرة من جلب طفل إلى الحياة ليكون ضحية لضغط اجتماعي عابر لم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه.

الرابط المختصر :