حين نتأمل تاريخ الفن والتصوير في العالم العربي، نجد أن أغلب الحكايات ارتبطت بأسماء رجال تركوا بصمتهم عبر الصور الفوتوغرافية الأولى.
غير أن اسم “كريمة عبود” يبرز كاستثناء فريد من نوعه، إذ كسرت الحواجز الاجتماعية والمهنية لتصبح أول امرأة فلسطينية بل وأول مصورة عربية تقتحم هذا المجال في بداية القرن العشرين. وأصبحت مؤرخة بصرية لحياة مجتمع كامل قبل أن تطيح به أحداث النكبة.


نشأة وخلفية “كريمة عبود”
ولدت كريمة عبود 18 نوفمبر 1893 في بيت لحم، ونشأت في عائلة مسيحية محافظة تمتد أصولها وتضرب جذورها في قرية الخيام بلبنان.
استقرت العائلة في فلسطين منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث عمل والدها “سعيد عبود” كقس في الكنيسة الإنجيلية. أما والدتها “بربارة بدر” فقد عملت كمعلمة. هذا المناخ الديني والثقافي أتاح لها تربية منفتحة على العلم والمعرفة.

تلقت تعليمها الابتدائي في بيت لحم ثم التحقت بمدرسة “طاليثا قومي” في بيت جالا ومدرسة “الفرير” في القدس.
ذلك قبل أن تتابع دراستها العليا بالجامعة الأمريكية في بيروت AUB أين درست الأدب العربي. كما أتقنت الحديث بعدة لغات بطلاقة كالإنجليزية والألمانية.
هذه الخلفية التعليمية الغنية والمتنوعة منحتها أدوات فكرية وتعاليم لغوية كانت لها خير عون على صقل هويتها الثقافية وبناء شخصيتها.

بداية مسيرتها مع التصوير
في مطلع القرن العشرين، حملت المصورة “كريمة عبود” آلة تصوير أهداها لها والدها، لتأخذ بعد ذلك أسس المهنة من أحد المصورين الأرمن وتحترفها في عام 1913.
انطلقت بعد ذلك بهدف تأسيس تجربتها الخاصة وتقودها الأحداث لأن تصبح رائدة التصوير الضوئي النسائي في فلسطين.
وأول مصورة عربية تؤسس معملًا لتلوين الصور وأستوديو في مدينة بيت لحم لتصوير النساء والعائلات في مناسباتهن الخاصة والمحافظة على خصوصياتهن. وبذلك تكون قد كتبت فصلًا جديدًا في تاريخ التصوير الضوئي العربي.

أصبحت الكاميرا رفيقتها الدائمة، إذ كانت تنتقل رفقة أبيها في مختلف القرى والمدن الفلسطينية من بيت لحم إلى القدس وحيفا ويافا والناصرة وطبريا وغزة.
واخترق طموحها سقف الأحلام وبادرت بافتتاح 3 أستوديوهات أخرى في حيفا ويافا والناصرة. مؤرخة بالضوء والعدسة مرحلة مهمة من حياة الشعب الفلسطيني قبل الاحتلال، وأصبحت صورها بالأبيض والأسود توثيقًا مرئيًا مهمًا لمسيرة المواطن الفلسطيني وسيرة المكان.


تنوعت بين البورتريه الشخصي صور العائلات، حفلات الأعراس، مركزة على النساء بشكل خاص لتأريخ الأزياء التقليدية والنسج والتطريز الفريد.
كذلك العمران والأحياء الفلسطينية والأسواق ومختلف المعالم الأثرية التاريخية ومظاهر الحياة. كما امتدت رحلتها إلى خارج فلسطين كلبنان والأردن وسوريا.


غياب طويل أبدي وإرث خفي
بحلول عام 1940، طويت صفحة “كريمة عبود” نتيجة إصابتها بمرض السل ودفنت في مسقط رأسها أين بدأت حياتها وطموحها الجامح.
كشف بعد ذلك الباحث “أحمد مروات” النقاب عن ألبومات تحمل صورها عام 2006، وسلط الضوء عما تجاوز 9 آلاف صورة لكن لم يظهر منها سوى مجموعات محدودة.
ولا يزال جزء من تراثها الضوئي تحتفظ به العائلات في فلسطين وبعض المدن العربية.
عادت أعمالها لتعرض في معارض فنية، مثل تنظيم “دارة الفنون” لمعرض الفوتوغرافي يضم أعمال كريمة عبود في الأردن. وتعكس بهذا نموذجًا عن المرأة المثقفة المستقلة مشجعًا النساء العربيات على اقتحام مجالات يهيمن عليها الرجال.


ويقول أحمد مروات، في حوار نشر في مجلة “إيلاف” الإلكترونية: “بالنسبة لأرشيفها فقد قدر بحوالي 9 آلاف صورة وللأسف ولغاية اليوم لا نعلم أين ذهبت بقية أرشيفها، فما لدي هو نصفه تقريبا”.
ويقدر مروات أن الجزء المجهول من مجموعات صور كريمة عبود بنحو 5 آلاف صورة. مضيفًا أن عددًا من أعمالها المزينة بختمها (Karimeh Abbud Lady photographer – كريمة عبود مصورة شمس ) وخط يدها في بيوت الناس، هي صور شخصية لأجداد العائلات متحفظين عليها كإرث عتيق.

هالة طبيعية
كتب المؤرخ عصام نصار دراسة بعنوان “التصوير المحلي المبكر في فلسطين: إرث كريمة عبود”، ذكر فيها أن المصورة الفلسطينية كريمة عبود، كانت من أوائل المصورات والمصورين بالمنطقة، الذين وضعوا التقاليد الأوروبية في فن البورتريه والتصوير الفوتوغرافي جانبًا. لتلتقط لمحة عن هالة مختلفة في صورها لأشخاص تعكس أحوالهم أحلامهم وتطلعاتهم بالحياة.

لم يكن هؤلاء الأشخاص حكامًا بارزين، أو قادة عسكريين باشاوات أو رجال دين. كما لا يشبهون هوس المشاهد الأوروبية بالإثنوغرافيا (علم الأجناس البشرية). بفضل هذه المصورة الرائدة استطعنا النظر إلى وجوه الفلسطينيين قبل النكبة وملامح طيبتهم وبساطتهم وطمأنينتهم ترتسم على وجوهم البشوشة.

نستعيد في هذا سيرة “كريمة عبود” التي تلازمها بالضرورة الحنين للذاكرة الفلسطينية والعربية. حيث تتقاطع فيها قصة امرأة طموحة مع تاريخ وطن منكوب، وكل صورة التقطت هي شهادة على مجتمع وبيئة وهوية.
تبقى “كريمة عبود” أيقونة الريادة النسوية وأحد أبرز الشخصيات التي ألقت برداء المجد على كتفي المرأة العربية وأفسحت لها المجال والحرية في بحر الفنون والتصوير.


















