في الزاوية الشمالية الشرقية من محافظة القنفذة بمنطقة مكة المكرمة، وتحديدًا على ضفاف وادي “قرماء”. ترقد قرية “عشم” الأثرية كشاهد حي على عظمة الحضارات الإسلامية المبكرة. لا تمثل عشم مجرد أطلال حجرية، بل هي سجل تاريخي يمتد من عصور ما قبل الإسلام وحتى القرن الخامس الهجري، حيث لعبت دورًا محوريًا كمركز اقتصادي واستراتيجي يربط بين سهل تهامة ومرتفعات السروات.
موقع إستراتيجي وهمزة وصل تاريخية
اكتسبت “عشم” أهميتها التاريخية لكونها إحدى المحطات الرئيسية على “طريق الحج اليمني” القديم. هذا الموقع الفريد، الذي يبعد نحو 300 كيلومتر جنوب مكة المكرمة و25 كيلومترًا عن ساحل البحر الأحمر، جعل منها نقطة التقاء ثقافي وتجاري للعابرين من جنوب شبه الجزيرة العربية نحو الأماكن المقدسة، مما منحها ازدهاراً حضرياً وعسكرياً ودينيًا متميزًا.

عمارة الصخر الأسود.. الفن والهندسة
تمتد القرية على مساحة شاسعة (1500×600 متر)، وتتميز بنمط معماري فريد يعتمد على الحجارة البركانية السوداء. وقد شيدت مبانيها، التي يقارب عددها 400 بيت، بمهارة هندسية لافتة عبر رص الكتل الصخرية فوق بعضها دون استخدام “المونة” أو المواد الرابطة. ومن أبرز معالمها المعمارية:
- المسجد الجامع: الذي يعد من المساجد المبكرة في جنوب الجزيرة العربية، ويتميز بمئذنته الرباعية وساحته المكشوفة.
- الصناعات المتقدمة: حيث كشفت التنقيبات عن أفران متخصصة لصناعة الزجاج الملون، ما يعكس تقديماً علمياً وصناعياً سابقاً لعصره.
اقتصاد التعدين.. حين كانت الأرض تنطق ذهبًا
لم تكن شهرة “عشم” وليدة موقعها الجغرافي فحسب، بل ارتبطت بكونها “مدينة الذهب”. فقد عرفت منذ القدم كأحد أهم مواقع التعدين في شبه الجزيرة العربية. حيث احتضنت مناجم استخراج الذهب والفضة التي غدت ركيزة لاقتصادها القوي. وقد خلد ذكرها كبار المؤرخين والجغرافيين أمثال المقدسي والبكري والإدريسي، ووصفوها كمركز تجاري وصناعي لا يستهان به.
كنوز تحت الرمال
بدأت رحلة الكشف عن أسرار عشم منذ عام 1402هـ بجهود وطنية حثيثة، أسفرت عن العثور على قطع أثرية نادرة، من أوانٍ فخارية وخزفية إلى شواهد قبور منقوشة بالخط الكوفي المتقن، والتي تحمل تواقيع خطاطي القرية، مما يثبت وجود حراك ثقافي وأدبي واسع في ذلك الوقت.

عشم اليوم.. وجهة سياحية وإرث وطني
اليوم، تفتح عشم أبوابها لعشاق التاريخ والآثار كوجهة سياحية تعليمية فريدة. وتأتي جهود المملكة العربية السعودية في حماية هذا الموقع وتطويره ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية والحفاظ على الكنوز الأثرية من العوامل البيئية، لتظل عشم قصة مجد تروى للأجيال القادمة، وجسرًا يربط بين ثراء الماضي وطموح المستقبل. وفقًا لبيوت السعودية.




















