في عصر انشغال الآباء.. رحلة التنشئة المتأنية بين سرعة الزمن وهدوء الطفولة

انشغال الآباء.. الثمن المدفوع من التنشئة المتأنية.
انشغال الآباء.. الثمن المدفوع من التنشئة المتأنية.

في خضم الإيقاع المتسارع للحياة الحديثة، ظهر مصطلح “التنشئة المتأنية” غربيًا منذ حوالي عقد من الزمن، كرد فعل على نمط الحياة المبالغ في انشغاله وإنهاكه. لقد أصبح النوم المريح حلمًا بعيد المنال، وتلاحقنا مواعيد العمل والانشغالات التي لا تنتهي. ومما زاد الطين بلة، سيطرة الهواتف الحديثة، التي حولت التواصل الأسري إلى أمر قليل أو منعدم، فنفاجأ بأن الأبناء الرضع أصبحوا على مشارف المراهقة في غمضة عين. لقد مر الوقت أسرع مما كنا نتخيل، وأصبحنا جميعًا ندفع ثمن هذا التسارع.

 التنشئة المتسارعة: عندما ينتقل الانشغال للأطفال

وفقًا لـ “keyperson”لم يعد هذا الانشغال مقتصرًا على الآباء والأمهات فحسب، بل انتقل للأسف إلى الأطفال أيضًا، مدفوعًا بهاجس مجتمعي يقول: “أن تكون مشغولًا دائمًا هو معيار أنك كفء”. باتت الأسر تتسابق لرفع كفاءة أطفالها من خلال حشو جداولهم بالأنشطة. لم يعد تدريب النادي وحده كافيًا، فظهرت الدروس الخصوصية (البرايفيت) في الرياضات المتعددة. وإلى جانب الرياضة. يمارس الطفل دروس الموسيقى، تحفيظ القرآن، ورش عمل للروبوت. ونوادي علوم، وحتى مهارات يدوية ولغات البرمجة. يصل الأمر ببعض الأطفال إلى حل الواجبات، وتناول الغداء. أو حتى النوم في السيارة أثناء التنقل المحموم من نشاط لآخر.

انشغال الآباء.. الثمن المدفوع من التنشئة المتأنية.

 لماذا أصبحنا مجتمعًا مشغولًا بالتنشئة المتسارعة؟

هناك عدة أسباب عميقة وراء هذا النمط المتسارع، لم يعد مقتصرًا على الغرب:

  1. مجتمع الندرة: نحن نعيش في مجتمعات تتسم بندرة الفرص، حيث يفوق الطلب المعروض، مما يخلق صراعًا دائمًا على مكان في كلية مرموقة، أو فريق نادي أساسي، أو عمل لائق. هذا التنافس يدفع الآباء إلى تسليح أبنائهم بأكبر قدر من المهارات المتاحة.
  2. فساد المؤسسات وتعدد المسارات: بما أن المؤسسات الرسمية (كالمدرسة) لم تعد تؤدي دورها كما يجب في التعليم والأنشطة، أصبح الآباء يسلكون مسارًا فعليًا لتعويض النقص. هذا المسار يتمثل في الدروس الخصوصية والأنشطة الإضافية مع متخصصين آخرين، وهو جهد محمود ولكنه منهك.
  3. التباهي والتفاخر وتعويض الماضي: يسيطر نوع من التباهي وروح التنافس بين الأهالي بما يفعله أبناؤهم. كما أن بعض الآباء يحاولون تعويض ما شعروا به من عدم اهتمام بتنمية مهاراتهم في صغرهم، فيسعون لتدارك ذلك في أبنائهم بشكل مبالغ فيه.
انشغال الآباء.. الثمن المدفوع من التنشئة المتأنية.

 ضرورة إيقاف النمط المتسارع: لماذا يجب أن نتأنى؟

إن هذا النمط المنهك من الحياة يحتم علينا وقفة صادقة، للأسباب التالية:

  • صناعة الذكريات: وقت الطفولة هو وقت ذهبي لا يُعوّض لتكوين ذكريات سعيدة تُشكل رصيدًا نفسيًا للأبناء. لا يجب أن يضيع أغلبه في إنهاك التنقل أو تجاهل الأهل لأبنائهم لانشغالهم ببريد العمل ومكالماته.
  • الحركة ليست هدفًا في حد ذاتها: لا ينبغي أن تكون الحركة والانشغال مقياسًا لكفاءة الشخص. الانشغال قد يكون “تَشاغلاً” عن الأولويات الحقيقية، وأهمها الأطفال الذين نهدف لتحسين حياتهم في المقام الأول.
  • تجنب تبلد الأبناء: يشكو الآباء من تمحور أبنائهم حول الشاشات وضعف مهاراتهم الاجتماعية. هذا للأسف هو انعكاس لحياة الآباء أنفسهم، فالأبناء يتعلمون بالمحاكاة، ويستشعرون أن الهاتف/الكمبيوتر هو الأهم عندما يرون انغماس الأهل فيه.
  • قلق وضغط مستمر: إن شغل كل وقت الطفل بالأنشطة يجعله يعتاد على القلق والضغط المستمر كسمة طبيعية للحياة. سيفقد القدرة على الاستمتاع بالهدوء، ويصاب بالضجر والملل فور توقف الأنشطة لأنه لم يتعلم كيف يواجه ملله.
  • إهمال الجوهر: الإيقاع المتسارع يميل للمظاهر البراقة السريعة ويهمل الجوهر، الذي يحتاج لوقت للاكتشاف والفهم والاستيعاب. ومع فقدان بديهيات التواصل الهادئ، يفقد المرء تدريجيًا القدرة على تكوين علاقات صحية متينة.
انشغال الآباء.. الثمن المدفوع من التنشئة المتأنية.

 وقفة التأمل: نحو الاسترخاء الإيجابي

قد يبدو التحول إلى “التنشئة المتأنية” صعبًا في البداية، خاصة لمن اعتاد على شغل كل دقيقة. لكن الداعين لهذا النموذج ينصحون بخطوات بسيطة:

  1. الإغلاق والتأمل: غلق الهاتف لساعة أو ساعتين يوميًا، والجلوس لمراقبة الأطفال في صمت، وتفقد حركاتهم وسكناتهم، وطريقة كلامهم وتفكيرهم، دون أن يكون هذا الوقت مُملاً أو يبعث على التمني بانتهاءه. هذا التأمل يهدف إلى استكشاف الأبناء والاقتراب منهم.
  2. خلق روتين للخروج: مغادرة المنزل وتحديد روتين أسبوعي للخروج مع الأطفال في مكان مفتوح، حيث أن البقاء في المنزل غالبًا ما يعيد الآباء إلى عالم المهام الروتينية التي لا تنتهي.

إن قضاء الوقت مع الأبناء، والتقرب إليهم والسماع منهم والحكي لهم، هو أثمن ما يمكن تقديمه. إنه يبني دعائم متينة لعلاقة صحيحة تمتد طوال الأعمار. إن مرحلة الطفولة، خاصة السنوات الأربع الأولى، هي مرحلة ذهبية لا تعوض، حيث يتم وضع أساس الشخص السوي. الأطفال الأصحاء نعمة، وشكر هذه النعمة هو إعطاؤها حقها قدر الاستطاعة، وعدم تحميلها ما لا طاقة لها به من إرهاق وتسارع.

الرابط المختصر :