لا يعبر عيد الأضحى عن العبادة المرتبطة بالركن الخامس من أركان الإسلام فقط. وإنما يمثل إحياءً لذكرى أعظم تضحية في التاريخ. حين أقدم نبي الله إبراهيم، عليه السلام، على ذبح ابنه استجابة لرؤيا حق، أراه الله سبحانه وتعالى إياها.
وعندما أراد النبي إبراهيم أن ينفذ أمر ربه، وجد ابنه صابرًا محتسبًا لا يعصي له أمرًا. بل وحثّ أباه على أن ينفذ أمر ربه. فلما وجد الله سبحانه منهما هذا التسليم والإيمان والانصياع لأمره. وقعت المعجزة وفداه بذبح عظيم أنزل من السماء.
وأراد الله سبحانه أن يجعل هذه الواقعة آية يذكرها الخلق حتى يوم البعث. فأنزل في ذكرها قرآنًا يتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وجعل التضحية نُسكًا سنويًا ضمن أركان الحج.
ميلاد نبي ورحلة عيد الأضحى
شاء الله سبحانه وتعالى أن تكون السيدة “سارة” زوجة سيدنا إبراهيم “عليه السلام” عقيمًا لا تلد، وكانت زوجة وفيّة مخلصة لزوجها، عارفة بحقوق ربها. وحين أدرك إبراهيم الكبر ولم يرزق منها ذرية. آلمها ألا ينعم بالولد بسبب عقمها. فأهدت إليه جارية تملكها تسمى السيدة “هاجر” وطلبت إليه أن يتزوجها فلعلها تسعده بما عجزت هي عنه. ولقد كان ما أملته. إذ لم تلبث السيدة “هاجر” أن وضعت ولدها سيدنا “إسماعيل” عليه السلام، ففرح به أبوه “إبراهيم” فرحًا عظيمًا، وشاركته زوجته “سارة” ذلك.

لكن سرعان ما دبت الغيرة إلى قلبها فألحت على سيدنا إبراهيم أن يبعد “إسماعيل” وأمه “هاجر” إلى مكان بعيد.
وكانت إرادة الله سبحانه وراء كل ذلك، فأوحى إلى إبراهيم أن يستجيب لزوجته. وأخذ إبراهيم وولدها، وسار بها ترشده عناية الله وتقوده إرادته، حتى وقف بها عند مكان البيت العتيق بمكة، فأنزلهما. وتركهما في تلك البقعة الجرداء وليس معهما من الزاد ما يكفي يومًا أو بعض يوم.
ماء زمزم
وتعلقت “هاجر” بزوجها ترجوه ألا بتركها في هذا المكان الموحش، وأن يرحم ضعفها وضعف طفلها الصغير، لكن إبراهيم أخبرها، وهو يغالب دموعه بأن ما يفعله هو أمر الله، وأن الله لا يضيع عباده الصابرين، ثم دعا الله لهما، وانصرف راجعًا إلى حيث تقيم زوجته “سارة” بأرض فلسطين.
ولم يمض غير قليل حتى نفذ الزاد الذي تحمله “هاجر” وساعدت شدة الشمس على نفاد الماء، وراحت الأم الصابرة تنظر في أسى إلى عيني صغيرها المهدد بالجوع والموت.
وبعد أن جف ثديها، فلم يعد قادرًا على أن يمنح الصغير الغذاء. وتطلعت الأم أكثر من مرة إلى السماء ترجو عندها وعد الله وتحقيق دعوة إبراهيم عليه السلام ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ ثم راحت (هاجر) تجري هنا وهناك تهرول كلما سمعت بكاء “إسماعيل” وصراخه، حتى قطعت ما بين الصفا والمروة سبع مرات.
وعادت منهمكة مذعورة إلى ولدها ولشد ما أصابها الدهش حين رأت وعد الله قد أنجز ودعوة إبراهيم قد استجيبت. فالماء بين قدمي الصغير ينساب من بئر زمزم. إنها لا تصدق عينها ولكنه الواقع الذي لا سبيل إلى إنكاره.

ولم تطل وحدة هاجر فهذا ركب يمني حاشد، من قبيلة تدعى جرهما، يقطع الصحراء فيمرون على مقربة من مكان هاجر ويرون الطير تحوم من حوله فيوقنون أن به ماء ويقصدونه، ويتمنون المقام به ويستأذنون هاجر في الإقامة معها فتأذن. وتمضى الأيام وعين الأم وقلبها على ولدها وعناية الله ترعاها وترعاه.
الامتحان
وذات ليلة فاجأت الرؤيا الصادقة إبراهيم تأمره أن يذبح ولده إسماعيل. وتوجه إبراهيم إلى ولده يقص عليه ما رأى، وقال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى؟ فرد إسماعيل: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ وأسلم نفسه وطلب من أبيه أن يشد وثاقه وأن يطرحه على صدره حتى لا يرى السكين وأن يحدها جيدًا وأن يسرع إمرارها على رقبته حتى لا تأخذه الشفقة فيتردد فيخالف أمر الله ورجاه أن يبلغ أمه السلام وأن يقوم بالتسرية عنها بعد ذبحه.
فلما شد “إبراهيم” ابنه على النحو الذي طلبه منه أمر الله السكين فكلت عن القطع وحار إبراهيم في الأمر وأحس أن الله سبحانه قد رحم هذا الابن المطيع، وسرعان ما انكشفت حيرته حين رأى أمامه كبشًا عظيما، وسمع نداء علويا يرتفع بالثناء عليه، وبأن الله أنزل هذا الكبش فداء لإسماعيل فأسرع إليه إبراهيم يذبحه.
وفرج الله “سبحانه تعالى” الكرب عن الوالد والولد معا. وقد سجل القرآن الكريم هذه القصة ونهايتها فقال تعالى: ﴿ فَلَمَّاأَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾.
اقرأ أيضًا: 8 أفكار لهدايا الأطفال في عيد الأضحى
المسلم يتعلم:
- أن الذي يثق بالله لا يضيعه الله.
- ابتلاء المؤمن رفع لدرجته.
- الله يستجيب دعاء المضطرين.
- إسماعيل عليه السلام نموذج للابن البار الصالح المحب لله.
- تعظيم البيت الحرام وزيارته من شعائر الله.
- طاعة الزوجة لزوجها، ورضاهما بعيشهما من طاعة الله.


















