يعد مركز عسفان، التابع لمحافظة الجموم بمنطقة مكة المكرمة. موقعا جغرافيا وتاريخيا فريدا، حيث يجمع بين عراقة الماضي وأهمية الحاضر. وقد اكتسبت هذه المنطقة اسمها من طبيعتها التضاريسية؛ فهي النقطة التي “تعسف” (تجتمع وتلتقي) فيها العديد من الأودية الرئيسية قبل أن تنحدر غربا عبر سهل الغولاء لتصب في البحر الأحمر شمال ذهبان. ومن أهم هذه الأودية: وادي مدركة، ووادي حشاش، ووادي هدى الشام، ووادي الصغو.
الموقع الاستراتيجي والأهمية النبوية
بحسب “ابن بطوط “تحظى عسفان بموقع استراتيجي هام؛ فهي تقع بالقرب من محافظة جدة، والمدينة الصناعية، وجامعة جدة، والأهم من ذلك أنها تقع على الطريق الرئيسي بين مكة المكرمة والمدينة المنورة. هذا الموقع جعلها بمثابة بوابة شمال مكة وممر طريق الأنبياء والقوافل.
شهدت عسفان مرور العديد من الأنبياء الكرام. ومنهم النبي صالح، والنبي هود، والنبي إبراهيم، والنبي محمد، عليهم الصلاة والسلام. كما ارتبطت بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ارتباطا وثيقا، ففيها شرعت صلاة الخوف. وبها وقعت غزوة عسفان. وقد كان الرسول يفضل المرور بها قبل فتح مكة؛ نظرا لأن أهلها من قبيلة خزاعة كانوا حلفاء لجده عبد المطلب.
قلعة عسفان: حارس طريق القوافل
من أبرز المعالم الشاهدة على عمق عسفان التاريخي هي قلعة عسفان الأثرية. اكتسبت عسفان أهميتها الاستراتيجية مع كونها محطة رئيسية على طريق القوافل التجاري الذي كان يمتد من اليمن إلى الشام قبل البعثة النبوية. واستمرت أهميتها كجزء من طريق الحجاج بين مكة والمدينة.
أنشئت القلعة خصيصا لحماية هذه الطرق الحيوية وقوافل التجارة والحجاج. يعود ذكرها، وفق بعض المصادر، إلى القرن السادس الهجري، حيث وصفها الرحالة ابن جبير كـ “حصن عتيق”. القلعة مشيدة بشكل مربع، وتحتوي على أربعة أبراج في الزوايا وبرجين إضافيين على كل جدار. ورغم صغر مساحتها التي لا تتجاوز 200 متر مربع وارتفاعها الذي لا يزيد عن 20 مترا عن سطح الأرض. فقد كانت تعد جزءا من سلسلة القلاع الصغيرة التي أُنشئت في مطلع القرن الرابع عشر الهجري (حوالي عام 1305هـ) لضمان أمن الحجاج. وقد شيدت القلعة باستخدام الصخور البازلتية والنارية الجرانيتية المتوفرة في الجبال المجاورة.

الماء والنقاء والسوق العريق
تاريخياً، شكلت عسفان نقطة راحة وتزود حيوية للقوافل والمسافرين، نظرا لغزارة مياهها وعذوبتها. حيث اشتُهرت بأكثر من 10 آبار حلوة، أبرزها بئر التفلة الأثرية. ويروى أن هذه البئر اشتهرت بغزارة مائها وعدم نضوبه بعد أن تفل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء مروره بها في طريقه إلى مكة في غزوة الفتح. كما تضم المنطقة آباراً أخرى يعود تاريخ حفرها إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان، بالإضافة إلى العديد من الآبار القديمة المطوية بالحجر.
وإلى جانب نقاء هوائها نتيجة الجبال التي تحيط بها، وميزتها كأرض زراعية خصبة، اشتهرت عسفان بسوقها القديم الذي يعد سوقا عامرة منذ العصر الجاهلي. ورغم أن مباني السوق القديمة لم يتبق منها سوى أطلال، إلا أنها لا تزال تشكل مركزا حيويا لتقديم الخدمات للحجاج والمسافرين وسكان المراكز المجاورة.
لقد عادت عسفان اليوم لتؤكد مكانتها الاستراتيجية، حيث يمر بها الطريق الحديث بين مكة والمدينة، لتواصل بذلك دورها التاريخي كملتقى للطرق وبوابة بين أقدس مدينتين في الإسلام.















